١٢ أبريل ٢٠٢٦ — سياسةالأمة المكتئبة

الأمة المكتئبة (6) - النهوض ج2

الأمة المكتئبة (6) - النهوض ج2

كانت الكلمة يومًا تملأ الفم والعين. تلفظها الشعوب فتحسّ أنها تنهض فعلًا. تهتف بها الجماهير في الساحات وتراها تلمع في عيون الأطفال والمعلمين والخطباء والشهداء. النهضة. كلمة قصيرة لكنها حملت عبر قرن كامل أكثر مما تحتمل. صارت رديفًا لكل أحلام الخلاص من واقع منهك إلى مستقبل متخيل. لكن هذه الكلمة التي كانت حلمًا، لم تلبث أن صارت عبئًا. اليوم حين تُقال، لا تثير في القلب رجفة ولا في العقل فكرة. صار وقعها باهتًا، مكرورًا، مرهقًا. شيء أقرب إلى نشيد صباحي في مدرسة منهكة، يُردد بلا روح ولا معنى.

تَآكل المفهوم دون أن ننتبه. لم يُسحق بضربة واحدة بل تآكل ببطء تحت وطأة من استعملوه واستنزفوه. كُتبت فيه مئات الكتب. رُفعت باسمه عشرات الشعارات. أُطلقت تحته مشاريع تنموية وخطب سياسية وخطط خمسية وخطابات انقلابية ووعود انتخابية. ولكن شيئًا فشيئًا، لم تعد الأمة ترى النهضة بوصفها أفقًا بقدر ما باتت مرآة للفشل المتكرر. كل محاولة إصلاح انتهت إلى نكسة. كل خطاب تحديث اختنق بين الفساد والجهل. كل برنامج تنموي صار وسيلة لنهب جديد أو لتكريس الاستبداد تحت لافتة التغيير. وباتت النهضة تعني في الوعي العام "حلمًا مؤجلًا إلى أجل غير مسمى" أو أسوأ من ذلك "خدعة جديدة بلغة قديمة".

لكن ما الذي حدث بالضبط؟ هل كان الحلم أكبر من الواقع؟ أم أن الذين تبنوا الحلم لم يكونوا أمناء عليه؟ أم أن المفهوم نفسه وُلد مشوهًا في زمن لم يكن فيه العقل العربي مستعدًا بعد للتفكير الكوني؟ النهضة بوصفها مصطلحًا دخيلًا دخل إلى اللغة العربية في ظل محاولات فك الاحتكاك الثقافي مع أوروبا، كانت منذ البداية مزيجًا من الانبهار والارتباك. أراد روّادها الأوائل أن يصوغوا جوابًا عربيًا إسلاميًا على التقدم الأوروبي، فجمعوا بين الأصالة والتجديد، بين الشريعة والحداثة، بين الهوية والانفتاح. لكن الإجابة ظلت هشة، لأنها لم تكن نابعة من سؤال داخلي بل من تحدٍّ خارجي. لم تكن نتاج تجربة ذاتية ناضجة بل رد فعل أمام سؤال الغزاة: لماذا تأخرتم وتقدمنا؟

وبينما كانت أوروبا تعيش نهضتها كبناء عضوي انبثق من داخلها عبر تحولات اقتصادية وفكرية وروحية استمرت قرونًا، كانت محاولات النهضة عندنا مستعجلة، مفروضة، مستوردة أحيانًا، مشوشة دائمًا. استعجلنا بناء الدولة قبل بناء الإنسان. استعجلنا إنشاء الجامعة قبل تحرير العقل. استعجلنا كتابة الدساتير قبل تشكيل التوافق. واستعجلنا استيراد النماذج دون تكييفها مع ثقافتنا. ومع كل استعجال، كان يظهر وهم جديد: أن المشكلة في التطبيق لا في النموذج، وأن العطب في الشعب لا في الفكرة، وأن التأخر في الزمن لا في البنية.

ومع العقود، تراكمت المشروعات الفاشلة. من القومية إلى الاشتراكية، من التحديث إلى الأسلمة، من العسكرة إلى الليبرالية، من العروبة إلى الإسلاموية، وكلها تبنت خطاب النهضة لكن أفرغته من مضمونه. النهضة صارت يافطة يرفعها الجميع دون أن يشرح أحد محتواها. ما الذي نريده بالضبط؟ دولة قوية أم مجتمع حر؟ اقتصاد منتج أم عدالة شاملة؟ تحرر من التبعية أم انفتاح على السوق؟ عقلانية علمانية أم إحياء ديني؟ لا أحد أجاب. الكل اكتفى بالشعار، وراح يركض خلف تفاصيل لا يجمعها مشروع، ولا يربطها تصور موحد للمستقبل.

حتى النخب الفكرية التي ادّعت حمل المشروع النهضوي انقسمت على نفسها. كل تيار انشغل بتفنيد خصمه، لا بتأسيس مساره. وبينما كانت المجتمعات تنزف، كانت النخب تغرق في الجدل: أيهما أولى؟ النهضة الروحية أم الاقتصادية؟ أيهما أخطر؟ الاستبداد أم الاستعمار؟ أيهما أسبق؟ الهوية أم المواطنة؟ وكلها أسئلة مشروعة لكنها صيغت كصراعات لا كمسارات متكاملة. وهكذا ضاعت البوصلة. لم تعد الأمة تعرف حتى على أي أساس تنطلق.

وحين جاءت الكارثة تلو الكارثة، تراجعت الكلمة نفسها. لم تعد تُستخدم إلا في الخطب الرسمية، أو في الكتب الجامعية. لم تعد الكلمة تُشعل الحماسة، بل صارت تستدعي السخرية أو الحذر. صار الشباب حين يسمعها يقول ساخرًا: كم مرة سمعنا هذه؟ وكم مرة خُدعنا؟ وهل تبقّى شيء لم يُسمّى "مشروع نهضة" من دون أن يكون في الحقيقة سوى طريق إلى قمع جديد أو فساد جديد أو خيبة جديدة؟

وهكذا تَشوّه المفهوم، لا لأنه باطل في ذاته، بل لأنه استُهلك حدّ الابتذال. كل نظام طاغية ادّعى النهضة. كل حزب فاشل ادّعى أنه يحملها. كل دعاية تعليمية، وكل شعار انتخابي، وكل مجلة مدرسية، وكل محطة تلفزيونية، ادّعت أنها في طريق "النهضة"، حتى لم نعد نعرف من يملك الحق في النطق بها. وكما فقدت "الحرية" معناها حين استُخدمت لتبرير الاحتلال، وكما فقدت "العدالة" معناها حين ارتبطت بالمحاكمات الصورية، فقدت النهضة معناها حين ارتبطت بكل ما هو فاسد ومفرغ ومكرور.

لكن المشكلة الأعمق أن هذا الإنهاك في المفهوم لم يدفعنا إلى مساءلته بل إلى نسيانه. بدل أن نعيد التفكير فيه، تخلينا عنه. استبدلناه بمفردات أخرى أكثر "واقعية": التنمية، التمكين، التحول الرقمي، التحديث، الاستقرار، الاستدامة. كلها كلمات جميلة لكنها بلا جذر، بلا سياق حضاري، بلا سؤال وجودي. صارت اللغة سطحية، والمفاهيم تقنية، وكأن المشكلة في أدوات الإدارة لا في معنى الحياة نفسها.

ومع غياب المفهوم، تآكلت الأحلام. لأن الشعوب لا تحيا دون حلم جماعي يُلهمها، ويمنحها شعورًا بأنها تسير نحو شيء أكبر من تفاصيل الحياة اليومية. النهضة ليست فقط مشروعًا سياسيًا أو اقتصاديًا، بل حالة روحية، إحساس بأن هذا الجسد الممزق يمكن أن يتماسك، وأن هذه الأمة التي فشلت مرارًا قد تنجح، وأن هذا الألم الذي ملأ القلوب ليس عبثًا.

النهضة الحقيقية تبدأ حين يعود الوعي إلى جذوره، لا ليُكرّرها بل ليُعيد قراءتها. حين نُدرك أن الفشل السابق ليس نهاية، بل فرصة للفهم. وحين نُعيد صياغة المفهوم لا بلغة الشعارات، بل بلغة الأسئلة: من نحن؟ ما الذي نريده؟ لماذا نريده؟ بأي وسائل؟ بأي ترتيب؟ من معنا؟ ومن ضدنا؟ كيف نُوازن بين العدل والنجاعة؟ بين الهوية والحداثة؟ بين الداخل والخارج؟ بين الدين والدولة؟

ولعل الوقت قد حان، لا لنعلن نهضة جديدة، بل لننقذ المفهوم نفسه من الانقراض. لنُنقّيه من التكرار والتوظيف والإهانة. لنمنحه صدقه مرة أخرى. لنقول: نعم، نريد أن ننهض، لكننا نعرف كم هو صعب، وكم هو مكلف، وكم هو معقد. ومع ذلك، لا بد أن نحاول.

الأمة المكتئبة الفصل 6: الأمة المكتئبة (6) - النهوض ج2

اكتملت السلسلة

هذا آخر فصول الأمة المكتئبة · عد إلى فهرس السلسلة