٨ أبريل ٢٠٢٦ — سياسة
الكاشفة
في صباح باهت من صباحات غزة، يقف طفل أمام مرآة مكسورة. لا يفعل شيئًا بطوليًا في الظاهر. فقط يحاول أن يكتب اسمه على جسده، حتى لا يضيع إن سقط البيت فوقه. إلى جواره أمّ ترتب الفطور كأن اليوم يوم عادي، وجدّ يشرح لصغير معنى كلمة "احتلال" بينما الطائرات تحوم فوق السقف كما لو كانت جزءًا من السماء.
وفي مكان آخر من العالم، يشاهد الملايين المشهد نفسه بلا دهشة كافية. تمر الصور في الشاشات كما تمر أخبار الطقس. تتوالى البيانات: قلق، دعوات إلى التهدئة، مطالبات بوقف إطلاق النار. لكن اللغة هنا باردة، كأنها لا تصدر عن بشر رأوا الموت بعينهم، بل عن مؤسسات تدير المسافة.
وحين يُقصف شعب كامل أمام العالم، ولا يرتجف للعالم جفن، فإن السؤال لا يعود فقط: أين العالم؟ بل يصبح سؤالًا أشد مرارة: أين نحن؟ منذ متى صار الموت مشهدًا مألوفًا؟ منذ متى صار العجز عادة؟ ومنذ متى فقدت الكلمات قدرتها على هزّ الوجدان العربي والإسلامي؟
غزة ليست هنا موضوعًا سياسيًا فحسب.
إنها مرآة.
كل صاروخ يسقط هناك يوقظ سؤالًا هنا. كل شهيد يُحمل على الأكتاف يحمل معه سؤالًا عن معنى الانتماء إلى أمة لا ترد، ولا تحاسب، ولا تعرف كيف تترجم غضبها إلى فعل.
لهذا لا نريد هنا أن نتحدث عن غزة بوصفها ملفًا من ملفات السياسة، بل بوصفها لحظة كاشفة.
لحظة تجعلنا نرى الجرح كما هو. لأن ما جرى هناك لا يُفهم فقط بالسلاح، بل يُفهم أيضًا بما تراكم في وعينا من خيبة، وبما تآكل فينا من حلم.
فالحروب لا تُخسر بالسلاح وحده. تُخسر أيضًا حين تذبل الإرادة، ويبرد الخيال، وتفقد الأمة ثقتها بأنها قادرة على أن تكون فاعلة في التاريخ. وحين نصل إلى هذه المرحلة، يصبح السؤال الملحّ: من سرق الحلم؟ من أخذ منا تلك الطاقة التي كانت تجعل العربي يحلم بالتحرير، ويهتف للوحدة، ويتصور مستقبلًا يليق بهذه الأمة؟ هل سرقه المستعمر؟ أم سرقته النخبة التي تعلّمت في مدارسه؟ هل سرقته الهزائم؟ أم تركناه نحن يسقط من أيدينا عامًا بعد عام؟ هل أخذه الحاكم بالقمع، أم أخذه المواطن حين اقتنع بأن لا شيء يتغير؟
