٧ أبريل ٢٠٢٦ — الأمة المكتئبة

الأمة المكتئبة (5) - النهوض ج1

الأمة المكتئبة (5) - النهوض ج1

كان الليل ثقيلاً على المدن التي نامت منذ زمن ولم تستيقظ.

في شارع جانبي من مدينةٍ عربيةٍ كأنها نسيت اسمها، جلس رجل خمسينيّ أمام شاشة بلا صوت. لا يتابع الأخبار، فقد ملّها. لا ينتظر انتصارًا، ولا حتى هزيمة. فقط يجلس، مثل أمةٍ بأكملها، في انتظار لا يُسمى. خلفه جدار رماديّ عليه صورة قديمة لوالده أيام ثورة لم تنجُ، وبجواره ابنه المراهق يضع سماعات على أذنيه ويغوص في عالم آخر، بلا وطن، بلا جغرافيا، بلا سياق. يسأل نفسه ولا يجيب: هل ما زلنا نعيش، أم أننا فقط نُجيد البقاء؟

كان يُفترض أن نكون قد فهمنا الدرس. بعد كل هذه الخيبات، بعد كل هذا الدم، بعد كل هذه المذابح التي عبرت الجغرافيا من الأطلسي إلى الخليج، بعد نكبة ولدت نكسة، ونكسة أنجبت صمتًا، وصمتًا أنجب تطبيعًا مع الغياب. كان يُفترض أن يكون هناك لحظة تفجُّر، لحظة وعي، لحظة "نعم" تُقال في وجه "لا" القديمة. لكن اللحظة لم تأتِ، أو جاءت ومضت مثل برق لا مطر فيه.

نحن في مكانٍ غريب. لسنا أمواتًا بالمعنى الحرفي، ولسنا أحياءً بالمعنى الفاعل. كمن يسير على جسر طويل لا يعرف نهايته، لكنه يعرف يقينًا أنه لا يستطيع الرجوع. الجسر يهتز، والأرض من تحته لم تعد تُسند، لكنه يواصل السير. لا بدافع الأمل، بل بدافع العادة. كأن البقاء بحد ذاته أصبح طقسًا.

ليس هذا فصلًا عن النهوض، لأننا لا نملك الآن نهوضًا نرويه. وليس فصلًا عن الانهيار، لأن الانهيار بات خلفنا، متخمًا بما يكفي. إنه فصلٌ عن سؤالٍ بسيط يُطارد العقول النائمة في وضح النهار: هل من مخرج؟

ثمة شيء غريب فينا، يتردد كلما اقتربنا من احتمال النهوض. ليس العجز وحده، بل الخوف منه. كأننا لا نكتفي بكوننا في الحضيض، بل نجد في ذلك الحضيض مأوى، أو طقسًا، أو منطقة راحة نفسية. ليس لأننا نحب الانكسار، ولكن لأن النهوض صار يرتبط، في وعينا الجمعي، بكل ما هو مؤلم: خيبة جديدة، خيانة متكررة، سقوط آخر أكثر إيلامًا. فصار التراجع أكثر أمنًا من المحاولة، وصار الاستقرار النسبي أكثر إغراء من الانفجار الممكن.

هذا الخوف ليس معلقًا في الهواء، بل هو ذاكرة. ذاكرة مُكدّسة بكل التجارب التي وُئدت، بكل من حاولوا أن يقولوا "كفى" وانتهوا في السجن أو في المنفى أو في القبر أو في قائمة التخوين. في وجدان الأمة طبقات من الصور: شهيد يُشيَّع وسط الحشود ثم يُنسى، إصلاحٌ يُعلن ثم يُجهَض، حراكٌ يتوه في تفاصيل السياسة أو يُسرق في وضح النهار. كل محاولة للنهوض ارتبطت بعقاب. وكل حالم، مهما علا صوته، تحوّل إلى عبرة.

ولأن الذاكرة لا تختزن فقط الحدث، بل الشعور المصاحب له، فقد ارتبطت إرادة التغيير بمشاعر مرهقة: الخذلان، الانقسام، الوصم، الانهيار، العجز. فصار النهوض ذاته تهديدًا لا وعدًا. لا لأنه مستحيل موضوعيًا، بل لأنه مؤلم نفسيًا. ومع تكرار الدائرة، ترسخ شعور دفين في أعماق الأمة أن كل محاولة للفعل تُفضي إلى خسارة أكبر من الصمت. وهكذا نشأ نوع من المنطق المعكوس: بدلاً من أن تدفعنا الأزمات إلى التمرد، صارت تدفعنا إلى الانكماش. بدلاً من أن نحشد الغضب لبناء جديد، نحشد الصبر لتبرير ما نحن فيه.

هذا التراجع لا يعني غياب الوعي، بل يعني أنه وُجه ضد صاحبه. فبدلاً من أن يتحول الوعي إلى أداة تحرر، أصبح أداة جلد للذات. فبدلاً من أن نسأل: ما الذي يمنعنا من النهوض؟ أصبح السؤال: من نحن حتى نحلم؟ ومتى نجحنا في شيء حتى نحاول؟ وماذا قدمنا سوى الهزائم؟ هذا الشكل من التفكير، وإن بدا عقلانيًا، إلا أنه يُنتج شللاً كاملاً. لأن الشعوب لا تنهض إذا آمنت بأنها لا تستحق، أو إذا اقتنعت بأنها محكومة بالفشل. وأخطر ما يمكن أن يحدث لأمة هو أن تُصدّق عن نفسها رواية أعدائها: أنها غير ناضجة، غير موحدة، غير قابلة للنهضة.

ولأن الشعوب لا تحيا بالحقائق المجردة، بل بالمعاني، فإن فقدان المعنى في مفهوم النهوض ذاته كان قاتلاً. لم نعد نعرف ما نقصد بالنهوض. أهو التغيير السياسي؟ أم الخروج من التبعية؟ أم العدالة الاجتماعية؟ أم استعادة الدور العالمي؟ أم بناء الدولة العادلة؟ أم الثورة؟ أم الإصلاح؟ أم التديّن؟ أم التحديث؟ أُفرغ المفهوم من محتواه تحت سيل من الشعارات المتنافسة، كلٌ يرفعه ثم يخونه، حتى أصبح النهوض مجرد كلمة في بيان لا تثير سوى التثاؤب.

هذا الغموض لم يكن بريئًا. لقد غذّته أنظمة تخاف من التغيير لأنه يهدد استقرارها، فنشرت روايات مشوّهة عن كل محاولة للتقدم. حرّفت التاريخ ليبدو وكأن كل خروج عن النظام أدى إلى الفوضى، وكأن الاستبداد هو الثمن الوحيد للاستقرار. وعندما ثار الناس في لحظة ما، جاء الرد فوريًا: فوضى، دمار، تدخلات، انهيارات. وبدا وكأن التاريخ يُعاقب من يحاول تجاوزه. هكذا بُني جدار الخوف، لا فقط من الدولة، بل من أنفسنا.

والإعلام، بدوره، لعب دور المحرّض على الركود. لم يكن ناقلًا للواقع فقط، بل صانعًا له. غذّى الانقسام، ضخّم الأخطاء، روّج لفكرة أن لا أحد يستحق القيادة، أن كل النخب فاسدة، أن كل الحركات مخترقة، أن كل الأمل وهم. ومن دون أن نشعر، وجدنا أنفسنا أمام شاشة يومية تُقنعنا بأننا وحيدون، ضعفاء، لا نملك من أمرنا شيئًا، وأن الفعل الجمعي مستحيل، وأن النجاة فردية، إما بالهجرة، أو بالسكوت، أو بالانسحاب.

حتى الدين، الذي كان دائمًا معينًا للنهضة، لم يَسلم من هذا التشويش. فقد استُخدم تارة لتخدير الناس، وتارة لتأثيمهم، وتارة لتخويفهم من الدنيا والآخرة معًا. في لحظةٍ ما، تحوّل الدين من طاقة تحرر إلى جدار حماية للنظام القائم. صارت طاعة ولي الأمر مقدّسة، والنقد فتنة، والمطالبة بالعدالة تمردًا. وانقسم الخطاب الديني بين من يُزايد في الغيب، ومن يركع للواقع، وغابت عنه تلك الروح التي كانت توقظ الإنسان من غفلته وتدفعه إلى الكلمة والموقف.

ولأن الخوف لا يُعلن عن نفسه، فإنه يتخفى في صور عديدة. مرةً في صورة حكمة. مرة في صورة واقعية. مرة في صورة تحليل منطقي بأن الظروف غير ناضجة. ومرة في صورة اتهام للأمة بأنها لا تستحق. وهكذا اختلط الحذر بالحكمة، والجبن بالحذر، والاستقالة بالتعقل، حتى لم نعد نعرف من الذي يهرب، ومن الذي يُمهّد. من الذي يهرب من النهوض لأنه خائف، ومن الذي يرفضه لأنه يرى طريقًا آخر.

لكن إذا كانت النهضة تخيفنا، فما البديل؟ أن نستمر في الدوران في نفس الدائرة؟ أن نؤجل المواجهة إلى أجل غير مسمى؟ أن ننتظر إصلاحًا من فوق لم يأتِ منذ قرن؟ أن نستسلم لفكرة أن العالم قرر مصيرنا وانتهى الأمر؟ الشعوب لا تموت فقط حين تُقهر، بل حين تقتنع أن القهر هو قدرها. حين يتراكم القمع في الوعي فيتحوّل إلى ما يشبه الاستسلام الأخلاقي. وحين لا يعود النهوض أمنية بعيدة، بل تهديدًا لنظام حياة اعتدنا عليه.

لكن التاريخ لا يُكتب بالخوف. والتقدم لا يصنعه المترددون. وكل لحظة نؤجل فيها المواجهة، ندفع ثمنها جيلًا آخر ضائعًا، حلمًا آخر مكسورًا، مدينة أخرى محاصرة، ذاكرة أخرى مشوّهة. وإذا كانت الأمة قد فشلت في محاولات عديدة، فهذا لا يعني أن المحاولة خطأ، بل يعني أن شروطها كانت ناقصة. والمطلوب ليس أن ندفن الفكرة، بل أن نعيد التفكير فيها. أن نسأل: لماذا فشلت؟ لا لنبكي، بل لنتجاوز.

المفارقة أن الخوف من النهوض لا يُسكت السؤال، بل يؤججه. ففي أعماق كل فرد في هذه الأمة، هناك سؤال صغير لا يموت: هل يمكن أن ننهض؟ وفي لحظات الصفاء، بعيدًا عن الضجيج، يعود السؤال، لا بوصفه أمنية، بل بوصفه شرط البقاء. لأن من لا يحاول أن ينهض، محكوم أن يسقط أكثر. وليس في التاريخ أمة ظلّت في مكانها دون أن تنقرض، أو تتحول إلى مادة في كتب الآخرين.

إن الشعوب التي تنهض ليست دائمًا تلك التي تملك القوة، بل تلك التي تمتلك الشجاعة. الشجاعة بأن تواجه خوفها، بأن تعترف بأخطائها، بأن تنظر إلى ماضيها دون تمجيد أو إنكار، وأن تنظر إلى المستقبل دون خرافة أو استسلام. النهوض لا يبدأ بخطة خمسية، بل بسؤال: هل نريد فعلًا أن ننهض؟ وهل نتحمل ثمن النهوض؟ وهل نحن مستعدون لأن نتعلم من سقوطنا بدل أن نعيش فيه؟

الأمة المكتئبة الفصل 5: الأمة المكتئبة (5) - النهوض ج1

الفصل التالي · 6 من 6

الأمة المكتئبة (6) - النهوض ج2

النهضة ليست فقط مشروعًا سياسيًا أو اقتصاديًا، بل حالة روحية، إحساس بأن هذا الجسد الممزق يمكن أن يتماسك، وأن هذه الأمة التي فشلت مرارًا قد تنجح، وأن هذا الألم الذي ملأ القلوب ليس عبثًا.