٣ أبريل ٢٠٢٦ — الأمة المكتئبة

الأمة المكتئبة (4) - أسباب المرض

الأمة المكتئبة (4) - أسباب المرض

أسباب المرض

من سرق الحلم؟

في صباح باهت من صباحات غزة، يقف طفل أمام مرآة مكسورة. لا يفعل شيئًا بطوليًا في الظاهر. فقط يحاول أن يكتب اسمه على جسده، حتى لا يضيع إن سقط البيت فوقه. إلى جواره أمّ ترتب الفطور كأن اليوم يوم عادي، وجدّ يشرح لصغير معنى كلمة "احتلال" بينما الطائرات تحوم فوق السقف كما لو كانت جزءًا من السماء. وفي مكان آخر من العالم، يشاهد الملايين المشهد نفسه بلا دهشة كافية. تمر الصور في الشاشات كما تمر أخبار الطقس. تتوالى البيانات: قلق، دعوات إلى التهدئة، مطالبات بوقف إطلاق النار. لكن اللغة هنا باردة، كأنها لا تصدر عن بشر رأوا الموت بعينهم، بل عن مؤسسات تدير المسافة.

وحين يُقصف شعب كامل أمام العالم، ولا يرتجف للعالم جفن، فإن السؤال لا يعود فقط: أين العالم؟ بل يصبح سؤالًا أشد مرارة: أين نحن؟ منذ متى صار الموت مشهدًا مألوفًا؟ منذ متى صار العجز عادة؟ ومنذ متى فقدت الكلمات قدرتها على هزّ الوجدان العربي والإسلامي؟

غزة ليست هنا موضوعًا سياسيًا فحسب. إنها مرآة. كل صاروخ يسقط هناك يوقظ سؤالًا هنا. كل شهيد يُحمل على الأكتاف يحمل معه سؤالًا عن معنى الانتماء إلى أمة لا ترد، ولا تحاسب، ولا تعرف كيف تترجم غضبها إلى فعل. لهذا لا نريد في هذا الفصل أن نتحدث عن غزة بوصفها ملفًا من ملفات السياسة، بل بوصفها لحظة كاشفة. لحظة تجعلنا نرى الجرح كما هو. لأن ما جرى هناك لا يُفهم فقط بالسلاح، بل يُفهم أيضًا بما تراكم في وعينا من خيبة، وبما تآكل فينا من حلم.

فالحروب لا تُخسر بالسلاح وحده. تُخسر أيضًا حين تذبل الإرادة، ويبرد الخيال، وتفقد الأمة ثقتها بأنها قادرة على أن تكون فاعلة في التاريخ. وحين نصل إلى هذه المرحلة، يصبح السؤال الملحّ: من سرق الحلم؟ من أخذ منا تلك الطاقة التي كانت تجعل العربي يحلم بالتحرير، ويهتف للوحدة، ويتصور مستقبلًا يليق بهذه الأمة؟ هل سرقه المستعمر؟ أم سرقته النخبة التي تعلّمت في مدارسه؟ هل سرقته الهزائم؟ أم تركناه نحن يسقط من أيدينا عامًا بعد عام؟ هل أخذه الحاكم بالقمع، أم أخذه المواطن حين اقتنع بأن لا شيء يتغير؟

هذا الفصل لا يريد أن يوزع الاتهامات. بل يريد أن يفهم. يريد أن ينزل تحت الجلد، إلى الطبقات العميقة التي تراكم فيها الانكسار. يريد أن يتتبع الطريق الطويل الذي بدأ مع سقوط الخلافة، ثم مرّ بالاستعمار، ثم بالنكبة والنكسة، ثم بالاستبداد والتبعية، ثم بالربيع العربي وما تلاه، حتى وصلنا إلى هذه اللحظة التي تقف فيها الأمة أمام غزة ولا تعرف: هل ما تزال تملك روحًا واحدة، أم أنها صارت تجمعًا واسعًا من التعب؟

لسنا هنا أمام فصل في التأريخ المجرد. نحن أمام محاولة لفهم كيف تشكل هذا المرض. كيف دخلت أمة كاملة في طور من الوهن النفسي والحضاري. ومتى بدأ الحلم يتسرب من الروح حتى صار السؤال عن النهضة يبدو، عند كثيرين، نوعًا من المبالغة أو السذاجة. وإذا كان الفصل السابق قد وصف الأعراض، فإن هذا الفصل يسأل عن الجذور. من أين جاء هذا الانكسار؟ وكيف صار العجز جزءًا من المزاج العام؟ ولماذا فشلت الصدمات الكبرى في أن توقظ الأمة، ونجحت بدلًا من ذلك في أن تدفعها إلى مزيد من التعب؟

وحين نصل إلى نهاية هذا الفصل، لن نكون قد حصلنا على جواب واحد بسيط، بل على صورة أوسع للمشهد. سنرى أن المرض لم يولد في يوم واحد، ولم تصنعه هزيمة واحدة، ولم يأتِ من الخارج وحده. سنرى أنه تراكم طويل، شاركت في صنعه وقائع التاريخ، وبنية السلطة، وتشوهات الوعي، وانقطاع الذاكرة، وفشل النخب، ثم جاءت غزة لتكشفه كله دفعة واحدة. هناك، عند الحافة، يعود السؤال إلينا بصيغته الأكثر إيلامًا: هل يمكن لأمة فقدت حلمها أن تستعيده؟ أم أن أخطر ما في المرض أنه جعلها تنسى أن لها حقًا في الحلم أصلًا؟

1- سقوط الخلافة العثمانية

لم يكن الثالث من مارس عام 1924 مجرد يوم سياسي عادي. ولم يكن قرار إلغاء الخلافة العثمانية إجراءً إداريًا معزولًا يمكن وضعه في كتب التاريخ ثم تجاوزه. كان ذلك اليوم لحظة رمزية قاسية، لأن الأمة اكتشفت فيه أن الإطار الجامع الذي ظل، رغم ضعفه، يمنحها شعورًا بوجود مركز سياسي ومعنوي، قد انتهى. وربما لم يكن كثير من الناس في أقاصي العالم الإسلامي يعرفون تفاصيل ما جرى في أنقرة، لكنهم شعروا بشيء ثقيل انكسر. شعروا أن رابطًا قديمًا انقطع، وأن معنىً واسعًا كان يربطهم ببعضهم تراجع فجأة.

الخلافة، في أعوامها الأخيرة، لم تكن مثالية، ولم تكن تحقق صورة العدل التي حلم بها المسلمون. كانت تعاني من الوهن والاضطراب، وكانت قد فقدت كثيرًا من قوتها. لكن ذلك لا يلغي أنها ظلت، في المخيلة العامة، رمزًا لوحدة أوسع من الحدود المحلية. كانت تقول للمسلم، ولو من بعيد، إنه جزء من شيء أكبر من بلده ومدينته وقومه. ولهذا لم يكن سقوطها خسارة نظام حكم فقط، بل خسارة مركز رمزي. والمجتمعات لا تعيش بالأنظمة وحدها، بل تعيش أيضًا بما تمنحه هذه الأنظمة من إحساس بالمعنى والامتداد.

الأشد إيلامًا أن السقوط لم يصاحبه انفجار هائل في الوعي، بل صمت طويل. وهذا الصمت كان علامة مبكرة على طبيعة المرض. لأن الصدمة الكبرى لا تكون دائمًا في كثرة الضجيج، بل أحيانًا في غيابه. كأن الجسد تلقى الضربة ثم دخل في ذهول. لم تنهدم المساجد، ولم تتوقف الحياة، ولم تختفِ الطقوس. كل شيء بدا في الظاهر قابلًا للاستمرار. لكن الخيال الجمعي كان قد فقد شيئًا جوهريًا. فقد صورة المركز. وفقد الشعور بأن للأمة قبلة سياسية يمكن أن يدور حولها الوجدان، حتى لو اختلف الناس معها أو اشتكوا من ضعفها.

بعد ذلك، بدأت الأمة تدخل زمنًا جديدًا. زمن الدول الصغيرة، والحدود الجديدة، والأعلام المحلية، والولاءات القطرية. صار لكل بلد تاريخه الرسمي، وسرديته المدرسية، ونشيده، وقيادته، ومصلحته. وفي الظاهر بدا الأمر كأنه انتقال طبيعي إلى عصر جديد. لكن في العمق، كانت الأمة تدخل صحراء نفسية. لم يعد واضحًا: أين يبدأ الكيان الأكبر وأين ينتهي؟ ما الذي يبقى من معنى الأمة إذا صار كل بلد عالمًا منفصلًا؟ وكيف يمكن لوعيٍ تشكل قرونًا على امتداد واسع أن يتكيف سريعًا مع خرائط ضيقة صُنعت في سياقات أخرى؟

وهكذا لم يكن سقوط الخلافة نهاية قصة، بل بداية فراغ. فراغ لم يُملأ بمشروع جامع، بل ملأته لاحقًا الحدود، والاستعمار، والنخب المحلية، وخطابات جديدة لم تستطع أن تمنح الناس المعنى نفسه. ومن هنا بدأ الاضطراب العميق: لم تعد الأمة تعرف مركزها، ولم تعد تعرف تحت أي سقف يمكن أن تعيد صياغة حلمها. وحين يفقد الكيان مركزه الرمزي، يبدأ التشقق من الداخل، حتى لو تأخر ظهوره في الخارج.

2- الاستعمار الغربي

إذا كان سقوط الخلافة قد صنع فراغًا، فإن الاستعمار جاء ليحتل هذا الفراغ، لا في الأرض فقط، بل في الوعي أيضًا. المستعمر لم يدخل بلادنا ببندقية وحدها. دخل أيضًا بفكرة عن نفسه، وبفكرة أشد خطورة عنّا. لم يقل فقط: نحن الأقوى. بل قال أيضًا: أنتم ناقصون، وأنتم متأخرون، وأنتم لا تصلحون إلا إذا صرتم على صورتنا. وهذه هي الضربة الأعمق. لأن الاحتلال العسكري قد يُقاوَم، أما الاحتلال الذي يطال صورة الإنسان عن نفسه، فيترك أثرًا أبعد وأطول.

في التجربة الاستعمارية الغربية لم تكن المسألة مجرد جيوش تحتل الموانئ والمدن، بل مشروعًا واسعًا لإعادة تشكيل اللغة، والتعليم، والقانون، والذاكرة، وطريقة فهم الذات. أُعيدت كتابة المناهج، وأُعيد ترتيب الخرائط، وأُعيد تعريف النجاح، بل أُعيد تعريف الإنسان المتحضر نفسه. وصار من السهل على أبناء المجتمعات المستعمَرة أن ينظروا إلى أنفسهم من خلال عيون المستعمر. وهذه من أخطر نتائج الاستعمار: أنه لا يكتفي بإخضاعك، بل يحاول أن يجعلك ترى نفسك كما يريد هو.

وهكذا بدأ التشوه يتعمق. صار المحلي يبدو أقل قيمة من الوافد. وصارت اللغة الأصلية عبئًا في نظر بعض النخب، لا بيتًا للوعي. وصار الماضي مادة للحرج بدل أن يكون موردًا للفهم. ولم يكن هذا التحول بريئًا، بل كان جزءًا من مشروع واضح: إذا أردت أن تسيطر على أمة، فاجعلها تشك في ذاتها، وفي تاريخها، وفي لغتها، وفي قدرتها على أن تنتج شكلًا خاصًا من الحداثة. وعندئذ يصبح التقليد هو الطريق الوحيد الظاهر أمامها.

الاستعمار مزّق أيضًا الجغرافيا والمعنى معًا. لم يكتف بإسقاط الإمبراطوريات القديمة، بل أعاد تقطيع الأرض إلى كيانات جديدة، كثير منها صُمم على مكاتب بعيدة، لا في قلب المجتمعات نفسها. وصارت هذه الكيانات تتعلم ببطء أن ترى نفسها دولًا مستقلة، لكنها في الحقيقة كانت تتشكل داخل شروط استعمارية. ومن هنا بدأ التناقض الكبير: شعوب تتحدث عن الاستقلال، لكنها تحمل في داخلها بنية وعي مهزوزة، ومؤسسات منسوخة، ونخبًا تعلّمت أن تقيس التقدم بمعايير وضعت لها في الخارج.

والأثر الأخطر من ذلك كله أن الاستعمار لم يخرج حين خرجت جيوشه. خرج من الباب أحيانًا، لكنه بقي في الجامعة، والإدارة، والاقتصاد، والإعلام، وفي مقاييس النجاح نفسها. بقي في الذهن الذي يصدق أن الحل دائمًا في أن نصير نسخة من الآخر، لا أن نبني من داخل تجربتنا طريقًا خاصًا. وهكذا لم تكن المشكلة في أننا احتُلِلنا فقط، بل في أننا بدأنا نرى أنفسنا من داخل منطق الاحتلال. ومن تلك اللحظة، لم تعد الأمة تفقد أرضها فحسب، بل بدأت تفقد ثقتها بقدرتها على أن تكون نفسها.

3- النكبة والنكسة: الاكتئاب المؤسِّس

إذا كان سقوط الخلافة قد هزّ المركز، والاستعمار قد شوّه صورة الذات، فإن النكبة والنكسة صنعتا شيئًا أعمق: رسختا الهزيمة في الوجدان. لم تعد الخسارة هنا فكرة عامة أو إحساسًا مبهمًا، بل صارت تجربة محسوسة، دخلت البيت، والشارع، والمدرسة، والمخيال، واللغة. ولهذا لا ينبغي أن تُفهم النكبة والنكسة كحدثين عسكريين فقط، بل كجراح مؤسسة في الوعي العربي الحديث.

النكبة عام 1948 لم تكن ضياع أرض وحسب. كانت صدمة كبرى مست قلب المعنى. فلسطين لم تكن مجرد قطعة جغرافيا في الوجدان العربي والإسلامي. كانت رمزًا، وكانت نقطة يتقاطع فيها الدين بالتاريخ، والكرامة بالذاكرة، والهوية بالأمل. وحين ضاعت فلسطين، لم يشعر الفلسطيني وحده أن شيئًا منه قد انتُزع. شعر العربي في أماكن كثيرة أن الخسارة تطاله أيضًا، لأن القضية لم تكن حدودًا فقط، بل كانت سؤالًا عن معنى أن تكون أمة. ولهذا ظلّت فلسطين، بعد النكبة، أكثر من ملف سياسي. ظلت جرحًا مفتوحًا في الروح.

لكن النكسة عام 1967 كانت ضربة من نوع آخر. إذا كانت النكبة قد فجرت الشعور بالعار، فإن النكسة فجرت الثقة نفسها. في ستة أيام انهارت السردية القومية التي وعدت الناس بالنصر والوحدة والمستقبل الجديد. رأى الناس الجيوش تتراجع بسرعة، ورأوا الخطاب المرتفع يسقط أمام واقع لم يكن مستعدًا للحرب أصلًا. ولم تكن الصدمة فقط في الهزيمة العسكرية، بل في انكشاف الفجوة الهائلة بين ما قيل للشعوب عن نفسها، وما كانت عليه في الحقيقة.

وهنا بدأ التحول النفسي الكبير. لم يعد الناس يقولون فقط: خسرنا معركة. بل بدأوا يقولون، بشكل مباشر أو خفي: ربما نحن أمة لا تنتصر. وهذه لحظة خطيرة جدًا. لأن الهزيمة حين تتحول من حدث إلى صورة عن الذات، تدخل في منطقة المرض العميق. لم تعد المشكلة في الخسارة نفسها، بل في الطريقة التي استقرت بها في الوعي. صار الخوف من العدو الخارجي يمتزج بالريبة في الذات. وصارت الشعارات الكبرى تبدو، عند كثيرين، مجرد أصوات عالية تخفي فراغًا في العمق.

ولم يكن هناك، بعد النكسة، مشروع بديل واضح يمكن أن يلتقط الناس من هذه الهاوية. لم يجدوا رؤية جديدة، ولا لغة صادقة تعترف بما حدث ثم تبني عليه. ولذلك تُركت الجراح لتعمل في الظلام. لم تُفتح الأسئلة الكبرى كما يجب. لم يُسأل بجد: لماذا فشلنا؟ ما الذي كان معطوبًا في الدولة، وفي الجيش، وفي الخطاب، وفي الفكرة نفسها؟ بدل ذلك انتشرت روايات التخفيف: مؤامرة، خيانة، عدم تكافؤ. وهذه التفسيرات قد تحمل بعض الحقيقة، لكنها لا تكفي وحدها. لأنها إذا صارت ستارًا ضد النقد، فإنها لا تشفي الجرح، بل تؤجله.

ومن هنا يمكن القول إن النكبة سلخت الأرض، والنكسة سلخت الحلم. الأولى أوجعت الكرامة، والثانية أوجعت الثقة. ومعًا صنعتا ما يمكن تسميته بالاكتئاب المؤسس. أي تلك الحالة التي لا تبقى فيها الهزيمة في الماضي، بل تتحول إلى مزاج مستمر، وإلى نظرة ثقيلة إلى المستقبل، وإلى استعداد نفسي للتكيف مع الانخفاض. ومنذ ذلك الحين، لم تعد الأمة تواجه الهزائم من الخارج فقط، بل بدأت تحملها داخلها.

4- الأنظمة الاستبدادية: سحق الإرادة

بعد الهزائم، كان يمكن للأمة أن تدخل مرحلة مراجعة صادقة. كان يمكن أن تُفتح الأسئلة الكبرى، وأن تُراجع بنية الدولة، وأن يُعاد بناء الثقة على أساس جديد. لكن الذي حدث في كثير من البلدان كان شيئًا آخر. جاء الاستبداد ليحوّل الهزيمة إلى نظام. لم يكتف بإخفاء الجرح، بل صبّ فوقه طبقة سميكة من الصمت والخوف والدعاية. وهكذا بدل أن تُعالَج الأزمة، جرى تجميدها بالقوة.

الاستبداد لم يكن مجرد طغيان سياسي مباشر. كان فلسفة حكم كاملة. فلسفة تقول إن المجتمع خطر يجب ضبطه، لا طاقة يجب تحريرها. وإن المواطن ليس شريكًا، بل عنصرًا ينبغي مراقبته. ومع الوقت، دخل هذا المنطق في المدرسة، والجامعة، والإعلام، والإدارة، والشارع. لم تعد الدولة تُعرّف نفسها بما تبنيه من معنى، بل بما تملكه من قدرة على السيطرة.

وفي ظل هذا المناخ، تحولت اللغة نفسها إلى مكان للخوف. لم تعد الكلمات بريئة. كل جملة يمكن أن تُفهم ضد صاحبها. كل رأي قد يُحسب خيانة. كل سؤال قد يصبح تهمة. وحين تصل الأمة إلى هذه المرحلة، لا يُقتل فيها الاختلاف فقط، بل يُقتل الصدق. يبدأ الناس في قول ما يظنون أنه مطلوب، لا ما يرونه حقًا. ومع الزمن، يضعف حتى تمييز الإنسان بين ما يخشاه وما يؤمن به. وهذه من أعمق آثار الاستبداد: أنه لا يسجن الأجساد وحدها، بل يربك الداخل الإنساني نفسه.

كما صنع الاستبداد مواطنًا مرتبكًا ومجتمعًا خائفًا. الطالب يتعلم الطاعة أكثر مما يتعلم السؤال. الموظف يتعلم النجاة أكثر مما يتعلم الإتقان. الكاتب يتعلم حدود المسموح أكثر مما يتعلم البحث عن الحقيقة. ومع كل ذلك، يتراكم شيء خطير: ضمور الإرادة. الناس لا يفقدون حريتهم فقط، بل يفقدون أيضًا الإيمان بجدوى استخدامها. وفي هذه اللحظة، لا يعود القمع مجرد ضغط خارجي، بل يصبح جزءًا من تكوين الوعي.

ولأن الاستبداد لا يحتمل الرموز الحرة، فإنه يفرغها من معناها. يحول المثقف إلى موظف، والإعلامي إلى بوق، ورجل الدين إلى جزء من آلية الضبط، والتاريخ إلى سردية رسمية. وهكذا لا يكتفي بقمع المعارضين، بل يفسد المجال الرمزي كله. وعندما يفسد هذا المجال، تفقد الأمة قدرتها على إنتاج المعنى، لا لأنها فقيرة في العقول، بل لأن كل ما يمكن أن ينبت فيها يُقصّ قبل أن يكبر.

وهكذا ساهم الاستبداد في صنع أمة مكتئبة. لا لأنه نشر الخوف فقط، بل لأنه جرّد الناس من الإحساس بأن أصواتهم وأحلامهم يمكن أن يكون لها أثر. ومن دون هذا الإحساس، لا يبقى من الحياة العامة سوى طقوس خاوية: مؤسسات تعمل بلا روح، وانتخابات بلا معنى، وخطابات بلا صدق. والإنسان الذي يعيش طويلًا في هذا المناخ يتعلم شيئًا واحدًا: أن الأمل مكلف، وأن السلامة في الصمت. ومن هنا يبدأ الشلل.

5- التبعية الخارجية: الأمة ككيان فاقد للقرار

إذا كان الاستبداد قد صادر الإرادة من الداخل، فإن التبعية الخارجية سلبت القرار من الخارج. والأمتان لا تعيشان من دون إرادة وسيادة. لأن الأمة التي لا تملك قرارها، أو لا تثق أنها تملك حق تقرير مصيرها، تبدأ بالتدريج في فقدان احترامها لذاتها. والتبعية هنا لا تعني فقط تحكم قوى كبرى في السياسات، بل تعني أيضًا تشكل وعي جمعي يرى أن الحلول لا تأتي من الداخل، وأن الفعل الحقيقي يُصنع في عواصم أخرى.

بعد الاستقلالات الشكلية، دخل كثير من البلدان العربية والإسلامية في حالة رمادية. لم تعد مستعمرات بالمعنى المباشر، لكنها لم تصبح حرة تمامًا. بقيت معتمدة على الخارج في السلاح، والاقتصاد، والحماية، والتقنية، وفي كثير من الأحيان حتى في تعريف أولوياتها. ومن هنا بدأ ما يمكن وصفه بالانفصام السيادي: دول تتحدث عن الاستقلال، لكنها لا تستطيع أن تتحرك بحرية كاملة. أنظمة ترفع شعار الكرامة الوطنية، لكنها تبني استقرارها على الرضا الخارجي أكثر من الرضا الشعبي.

ومع الوقت، لم تبقِ التبعية في حدود السياسة العليا، بل تسللت إلى الاقتصاد، والتعليم، والثقافة، والإعلام، وحتى إلى المخيلة. صار الطالب يتعلم نماذج لا تشبه بيئته، ويقيس النجاح بمقاييس ليست من داخله. وصارت النخب السياسية والاقتصادية في كثير من الأحيان أكثر اهتمامًا بإرضاء الخارج من اهتمامها ببناء شرعية حقيقية في الداخل. وهذه لحظة خطيرة. لأن الدولة حين تشعر أن بقاءها مرهون بغير شعبها، يبدأ شعبها في الشعور بأنه غير مؤثر في مصيره.

وهكذا يتعلم المواطن أن صوته محدود، وأن غضبه لا يغير الكثير، وأن السياسة الحقيقية تجري في أماكن أبعد من متناوله. ومع تراكم هذا الشعور، يتراجع الإيمان بالفعل العام. ولم تعد التبعية مجرد وضع دولي معقد، بل صارت جزءًا من المزاج النفسي: إحساس عميق بأن القرار عند غيرنا، وأننا لا نملك إلا التكيف. وهذا الإحساس قاتل. لأنه لا يسرق القدرة على الفعل فقط، بل يسرق أيضًا الرغبة فيه.

وحين تفقد الأمة ثقتها بقدرتها على أن تقف وحدها، فإن خيالها نفسه يمرض. تبدأ في النظر إلى نفسها من عيون الآخرين. وتنتظر الاعتراف من الخارج بدل أن تبني شرعيتها من الداخل. وتتصور أن خلاصها سيأتي عبر التفاهمات، أو القروض، أو الرعاية، أو التحالفات، لا عبر إعادة بناء قوتها الذاتية. وعند هذه النقطة تصبح التبعية جزءًا مباشرًا من الاكتئاب الحضاري. لأن الأمة لا تشك فقط في الواقع، بل تشك في نفسها.

6- الربيع العربي: محاولة لاستعادة الصوت ثم خنقه

حين انفجرت احتجاجات الربيع العربي، بدا للحظة أن الأمة تحاول أن تستعيد صوتها. لم تكن المسألة، في بدايتها، مجرد مطلب سياسي ضيق. كانت لحظة أعمق من ذلك. كانت لحظة قال فيها الناس: نريد أن نُرى، وأن نُسمع، وأن نُحسب. خرجوا إلى الشارع لا لأنهم يطلبون تغيير حاكم فقط، بل لأنهم يريدون استعادة المعنى الذي سُلب منهم طويلًا. ولهذا حملت تلك اللحظة طاقة وجدانية هائلة. شعر كثيرون أن الصمت الذي تراكم عقودًا بدأ ينكسر أخيرًا.

في تلك الأيام، بدا كأن الأمة تفتح عينيها بعد غيبوبة طويلة. سقطت أنظمة لم يكن أحد يتصور أنها قد تسقط بهذه السرعة. وظهر الشارع، للمرة الأولى منذ زمن، بوصفه فاعلًا تاريخيًا. ولم تكن هناك قيادة موحدة أو رؤية مكتملة، لكن كان هناك شيء أهم: إحساس جماعي بأن الكرامة تستحق المجازفة، وأن الخوف ليس قدرًا أبديًا.

لكن هذا الانفجار كشف أيضًا هشاشة ما تراكم تحت السطح. فقد ظهرت بسرعة مشكلات عميقة: دولة لا تملك مؤسسات مستقلة، ومعارضة لا تملك مشروعًا ناضجًا، ونخب مرتبكة، ومجتمعات مثقلة بالانقسام، وقوى خارجية لا تريد تحررًا حقيقيًا. وهكذا سرعان ما دخل الأمل في اصطدام عنيف مع الواقع. وفي بلدان كثيرة، تحولت لحظة الاستعادة إلى صراعات مفتوحة، أو عودة أكثر قسوة للاستبداد، أو فوضى وحروب داخلية.

وهنا كانت الضربة مضاعفة. لأن الخيبة التي تأتي بعد الصمت شيء، والخيبة التي تأتي بعد الأمل شيء آخر. وحين جُربت الحرية للحظة، ثم خُنقت، دخل الناس في نوع جديد من التعب. لم يعودوا يخافون الأنظمة فقط، بل خافوا أيضًا من الحلم نفسه. وصار من السهل على السلطات أن ترفع الشعار الأخطر: البديل عن الاستبداد هو الفوضى. وهذا الشعار نجح لأنه خاطب مجتمعات أنهكتها الفوضى فعلًا، لا لأنه كان صحيحًا من حيث الجوهر.

الربيع العربي، بهذا المعنى، لم يكن فقط محاولة فاشلة للتغيير. كان امتحانًا كاشفًا. كشف ضعف البنية العميقة، وكشف هشاشة الثقة، وكشف حدود النخب، وكشف أيضًا كم صار الخيال الجمعي متعبًا. وبعد انكساره، لم يبقَ أثره سياسيًا فقط، بل صار أثره وجوديًا. كثيرون لم يعودوا يثقون بالغد، ولا بالماضي، ولا بالحاضر. وهذه من أخطر نتائج الخيبة. لأن الأمة لا تخسر معركة واحدة، بل تخسر علاقتها بالزمن كله.

7- فشل توليد “الأقلية المبدعة”

هنا نصل إلى نقطة بالغة الأهمية. فكل ما سبق من صدمات كان يمكن، نظريًا، أن يتحول إلى مادة للنهضة، لو وُجدت في الأمة طبقة قادرة على قراءة التحدي وتحويله إلى مشروع. وهذا هو معنى “الأقلية المبدعة” عند توينبي. ليست مجرد نخبة متعلمة، بل ذلك الجزء القادر على أن يمنح المجتمع لغة جديدة لفهم نفسه، وأن يترجم الألم إلى رؤية، والهزيمة إلى مراجعة، والصدمة إلى بداية.

لكن هذه الأقلية، في عالمنا العربي والإسلامي، لم تتشكل بالصورة التي يحتاجها زمن الانكسار. لم تكن المشكلة في غياب المواهب أو العقول أو الطاقات، بل في فشل البيئة كلها في تحويل هذه الطاقات إلى تيار مؤثر. بعض الأصوات سُحق مبكرًا، وبعضها جرى تدجينه، وبعضها انكفأ على ذاته، وبعضها صار أسير الإيديولوجيا أو الإعلام أو السلطة أو المنفى. وهكذا بقيت المحاولات متناثرة، بينما كانت الحاجة إلى مشروع جامع تزداد.

في المقابل، ملأ الفراغَ أنواع أخرى من النخب. نخب تعرف كيف تدير الأزمة لا كيف تخرج منها. نخب تتقن اللغة العالية أو التسويق أو التحشيد، لكنها لا تملك تصورًا متماسكًا للمستقبل. نخب تعيد تدوير الخطابات القديمة، أو تستورد إجابات جاهزة من الخارج، أو تنشغل بالخصومات الصغيرة، بينما يظل السؤال الكبير بلا جواب: كيف تستعيد الأمة قدرتها على أن تكون فاعلة في التاريخ؟

ولأن المجتمع نفسه أُنهك بالقمع والهزائم والتشويه، صار أقل ثقة بالنخب أصلًا. صار يشك في من يعده برؤية جديدة، ويسخر من كثير من المشروعات قبل أن يختبرها، ويخلط بين من يبني ومن يثير الضجيج. وهكذا دخلنا في دائرة مغلقة: لا أقلية مبدعة قادرة على القيادة، ولا مناخ اجتماعي سليم يتيح لها أن تنمو، ولا مؤسسات تحميها، ولا زمن هادئ يسمح بتراكم أثرها.

وهنا يصبح فشل النخبة أكثر من مشكلة ثقافية. يصبح جزءًا من المرض نفسه. لأن الأمة التي لا تنتج من يترجم جراحها إلى معنى، تظل تدور داخل الألم بلا أفق. تملك الغضب، لكنها لا تملك البوصلة. تملك الشعور بالمأساة، لكنها لا تملك الخطة. ومن دون هذا الجسر بين الإحساس والفعل، يتعطل كل شيء. ولهذا فإن غياب “الأقلية المبدعة” لم يكن تفصيلًا، بل أحد أهم أسباب استمرار المرض.

8- غزة: الكاشفة

وفي نهاية هذا المسار كله، نقف أمام غزة. لا بوصفها حدثًا أخيرًا فقط، بل بوصفها موضعًا تتجمع فيه كل الخطوط السابقة. هنا تنكشف الأزمة كاملة. لأن غزة ليست مجرد مكان يقصف، بل مرآة تختبر معنى الأمة نفسه. هناك تسقط كثير من الأقنعة. لا تعود الشعارات كافية. لا تعود البيانات مقنعة. لا يعود ممكنًا أن نختبئ طويلًا وراء اللغة الرسمية أو التفسيرات المريحة. ففي غزة، تبدو الأشياء في صورتها العارية.

غزة تفضح العدو، نعم. لكنها تفضحنا أيضًا. تفضح حدود قدرتنا على الفعل، وحدود تضامننا، وحدود صدقنا مع أنفسنا. تضعنا كل يوم أمام السؤال الذي نحاول تأجيله: ماذا بقي من معنى الأمة إذا تُرك هذا المكان وحده إلى هذا الحد؟ ماذا بقي من الذاكرة، ومن الكرامة، ومن الخطاب، ومن الحلم؟ ولماذا يبدو هذا الموضع الصغير، المحاصر والمثخن بالجراح، أكثر تمسكًا بالحياة من عواصم أكبر وأغنى وأهدأ؟

في غزة تنقلب المعاني. يصبح البقاء نفسه مقاومة. وتصبح أبسط تفاصيل الحياة فعل تحدٍّ. الأم التي تطهو تحت القصف، والطفل الذي يكتب حلمه في دفتر مهترئ، والرجل الذي ينتشل الجسد ثم يواصل، والمصلي الذي لا يقطع صلاته، والبيت الذي يعود أهله إلى ركامه لأنهم لا يملكون سواه؛ كل هؤلاء يقولون شيئًا كبيرًا من دون خطابة: إن الحياة ما تزال تستحق، وإن الروح لم تمت، وإن المعنى يمكن أن يبقى حتى في آخر الحافة.

ولهذا فإن غزة ليست فقط علامة على خذلان العالم، بل اختبار أخير للمعنى فينا نحن. هل ما تزال هذه الأمة قادرة على أن ترى الدم دمًا، والطفولة طفولة، والكرامة كرامة؟ هل ما تزال تملك حدًا أدنى من الصدق يجعلها تعترف بأنها مريضة، لا لأنها لا تملك السلاح الكافي فحسب، بل لأنها فقدت، في مواضع كثيرة، ثقتها بنفسها وبقدرتها على الفعل؟ غزة تعيد توجيه السؤال كله. لا تسألنا فقط: لماذا لا تنصرون؟ بل تسألنا أيضًا: هل ما زلتم تعرفون من أنتم؟

وهنا يصبح معنى الفصل كله أوضح. فحين نسأل: من سرق الحلم؟ لا نبحث عن سارق واحد. الحلم سُرق على مراحل. سقط جزء منه مع انهيار المركز. وسُرق جزء مع الاستعمار وتشويه صورة الذات. وسُرق جزء مع النكبة والنكسة وترسخ الهزيمة. وسُحق جزء مع الاستبداد. وتبدد جزء مع التبعية. ثم انكسر جزء آخر مع خنق الربيع العربي وفشل النخبة وانقطاع الذاكرة. حتى وصلنا إلى هذه اللحظة التي تقف فيها غزة، وحدها تقريبًا، لتقول لنا إن ما بقي من الروح لم يمت بالكامل، لكنه صار في خطر.

ومن هنا تعود إلينا الأسئلة في صيغتها الكبرى: هل المرض قدَر؟ هل الاكتئاب الحضاري نهاية لا رجعة منها؟ أم أن رؤية الجرح بوضوح هي أول خطوة نحو استعادة الحلم؟ غزة لا تقدم جوابًا جاهزًا. لكنها تقدم اختبارًا حاسمًا. إنها تقول لنا، من تحت الركام، إن المعنى لم ينطفئ تمامًا، وإن الأمة التي ما تزال قادرة على أن تتألم بصدق، وتسمّي مرضها بصدق، قد تكون ما تزال قادرة على أن تُبعث من جديد.

الأمة المكتئبة الفصل 4: الأمة المكتئبة (4) - أسباب المرض

الفصل التالي · 5 من 6

الأمة المكتئبة (5) - النهوض ج1

هل بقي في هذا الجسد نبضٌ يُمكن أن يُستعاد؟