٥ مايو ٢٠٢٦ — متفرقات
الوقت في القرآن الكريم
وقعتُ منذ أيام على مقال في أحد المواقع يتحدث عن مفهوم الوقت من زاوية اللغة أو "علم اللسانيات"، وكان مما شدّني فيه أنه لم ينظر إلى الوقت بوصفه شيئًا ثابتًا يفهمه جميع الناس بالطريقة نفسها، بل بوصفه مفهوماً قد يختلف إدراكه باختلاف اللغة التي يتكلم بها الإنسان.
والفكرة الأساسية التي عرضها المقال أن اللغة لا تقتصر على التعبير عما نفكر فيه، بل قد تؤثر أيضاً في الطريقة التي ننظم بها أفكارنا نفسها. فأشار إلى أن الناس لا يتخيلون الوقت جميعاً في صورة واحدة؛ فبعضهم يميل إلى ترتيبه ذهنياً على خط أفقي، وبعضهم يتأثر في ذلك باتجاه الكتابة في لغته، وبعض المجتمعات تربطه بالجهات الأصلية كالشمال والجنوب والشرق والغرب، لا باليمين واليسار فقط. بل إن بعض الدراسات على ثنائيي اللغة ذهبت إلى أن الشخص نفسه قد تتغير طريقته في تصور الزمن بحسب اللغة التي يستعملها في تلك اللحظة.
وكان أكثر ما شدّني في ذلك المقال هو قربه الشديد من التجربة الإنسانية اليومية. فنحن كثيراً ما نتكلم عن الزمن بعبارات تبدو مكانية من غير أن ننتبه (مثل: أمامنا وقت، وراءنا سنوات، اقترب الموعد)، أو حتى ككائنٍ فاعلٍ يتفاعل معنا (مثل: طال الانتظار أو مرّ النهار). وهذه التعابير ليست زينة لغوية، بل شواهد على أن العقل البشري لا يمسك بالوقت إلا إذا استعار له صورةً من عالم الحس. فالوقت يمرّ ولا يُرى، ويثقُل ولا يُوزن، ويحفر في الوجوه والقلوب من غير أن يترك في اليد قبضةً واحدة. ولعل هذا هو السر في أن الإنسان لم يستطع أن يفكر فيه إلا مستعيناً بغيره: بالمكان، والحركة، والاتجاه، والقرب، والبعد، والطول، والقصر.
إذن، فكيف تفهم العربية الوقت؟ وكيف يتكلم العربي عنه في حياته اليومية؟ ثم كيف يرتفع هذا كله حين ندخل إلى القرآن الكريم؟ لقد أحسست أن الطريق الطبيعي لفهم هذا الموضوع لا يبدأ مباشرة من النص القرآني، بل يبدأ من اللسان نفسه، من الكلام الذي ننطق به كل يوم، من العبارات التي تبدو عادية حتى إذا تأملناها وجدناها تحمل فلسفة كاملة عن الزمن من حيث لا ندري. وهنا تذكرتُ تلك العبارة الدارجة التي نقولها ببساطة: "أعطني شوية وقت". فهل الوقت، في وعينا العربي اليومي، شيءٌ يُفهم أولًا بوصفه مقداراً؟ وهل هذا هو كل ما في الأمر؟
حين تأملت العربية من هذه الزاوية، ظهر لي أن اللغة اليومية تميل حقاً إلى الإمساك بالزمن من جهة الكمية. فنحن نقول: وقت كثير، وقت قليل، بضع دقائق، سنوات عديدة... وبالعامية: شوية وقت. وهذه كلها تجعل الزمن شبيهاً بشيء يمكن تجزئته وتوزيعه وطلبه وفقدانه.
لكن العربية لا تقف عند هذا الحد، فهي لا ترى الوقت مقداراً فحسب، بل تراه أيضاً امتداداً وحركةً ومسافة. تقول: طال الوقت، مرّ الوقت، مضى النهار، جاء الموعد، اقترب الأجل. وفي هذه العبارات البسيطة يتكشف لنا أن العربية، شأنها شأن كثير من اللغات، تستعير من العالم المادي ما تصوغ به الزمن: من الطريق تأخذ الطول، ومن الحركة تأخذ المرور، ومن المسافة تأخذ القرب والبعد. وهكذا لا يعود الزمن في اللسان العربي مجرد وحدة قياس، بل تجربة يعاش فيها الانتظار، ويشعر فيها الإنسان بالدنو والامتداد والانقضاء.
لكن السؤال الأهم كان عن مفهوم الوقت في القرآن الكريم، لأن القرآن لا يتكلم عن الزمن في فضاء لغوي فارغ، وإنما ينزل على لسان يعرف الانتظار، والموعد، والمرور، والطول، والقرب، والبعد. ومع ذلك، فما إن ندخل إلى النص القرآني حتى نشعر أن الزمن لم يعد كما كان في المحاورة اليومية. لقد خرج من كونه مجرد وعاء للأحداث، وصار هو نفسه حدثاً في التجربة الإنسانية؛ لا مجرد إطار تمر فيه الحياة، بل قوة تتدخل في الوعي، وفي الغفلة، وفي الإيمان، وفي المصير.
فمثلاً،حين يقول القرآن: ﴿حتى طال عليهم العمر﴾، فإنه لا يكتفي بإخبارنا عن زيادة عدد السنين، بل يكشف أن طول الزمن نفسه قد يصبح نوعاً من الفتنة. الإمهال إذا امتدّ قد يخدع النفس؛ يجعلها تألف النعمة حتى تظنها حقاً ثابتاً، ويؤخر اليقظة حتى يخال المرء أن التأخير أمان. وقد فهم المفسرون هذه الآية في سياق الإمهال الذي أورث الاغترار والإعراض. وهنا بدا لي أن القرآن لا ينظر إلى الوقت نظراً رياضياً بارداً، بل نظراً أخلاقياً ونفسياً؛ فالزمن ليس مجرد ما يمضي، بل قد يكون ما يُنيم القلب إذا طال عليه الأمد. بهذا المعنى، يصبح طول العمر ليس خبراً عن السنين فقط، بل خبراً عن الأثر الذي تصنعه السنين في الروح.
وفي آية أخرى: ﴿أقريب أم بعيد ما توعدون﴾، لا يكون الزمن مقداراً، بل مسافة. المستقبل نفسه يتحول إلى شيء يرى من قريب أو بعيد، وكأن الوعد يقع في أفق الطريق. وهذا المعنى يتردد في مواضع أخرى من القرآن، مثل قوله تعالى: ﴿اقترب للناس حسابهم﴾، ومثل قوله: ﴿إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً﴾.
ما أعمق هذا التحويل القرآني: إنه لا يسأل فقط عن متى يأتي الشيء، بل عن كيف يُرى في النفس. الناس قد يرونه بعيداً لأنهم يريدون أن يؤخروه في وجدانهم، لكن الوحي يعيد ترتيب المسافة ويقول لهم: إن ما تستبطئونه قد يكون أقرب مما تحسبون. وهكذا يصير الزمن في القرآن ليس عدداً من الأيام، بل علاقة بين القلب والمصير.
ثم أن الزمن في القرآن قد يكون قليلاً أو كثيراً لا بحسب العدّ فقط، بل بحسب المقام الذي يُنظر منه إليه. تقول الآية: ﴿وتظنون إن لبثتم إلا قليلاً﴾ وفي موضعٍ آخر: ﴿كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها﴾. هنا يتبدل كل شيء. الأعمار التي امتلأت في الدنيا بأيامها وسنواتها تنكمش عند لحظة الحقيقة، والمدة التي كانت تبدو عظيمةً في الحس الأرضي تصير هينةً إذا وُضعت بإزاء الآخرة. لقد أحسست وأنا أتأمل هذه الآيات أن القرآن لا يصف الزمن كما تقيسه الساعة، بل كما ينكشف في النهاية حين تسقط الحجب وتظهر النسبة الحقيقية بين الدنيا وما بعدها. ومن هنا بدا لي أن القرآن يعلّمنا شيئاً بالغ العمق: أن للوقت وجوداً في العالم، لكن له أيضاً وجوداً في الوعي، وأن الإنسان كثيراً ما يخطئ تقدير كليهما.
القرآن يحمل هذه الصور إلى مستوى أعمق: يجعل الزمن باباً إلى الغفلة واليقظة، وإلى الوعد والوعيد، وإلى الفتنة والانكشاف. فلا يعود الوقت مجرد ما نملكه أو نفقده، بل يصير ما يختبرنا، وما يقترب منا، وما يفضح أوهامنا حين نكتشف أن ما حسبناه طويلاً كان قصيراً، وما ظننّاه بعيداً كان قريباً، وما خُيّل إلينا أنه كثير لم يكن إلا قليلاً.
نحن نتعلم من ألسنتنا كيف نسمي الزمن، وكيف نقربه ونبعده، وكيف نجزئه ونمدّه. ثم يأتي القرآن ليعلّمنا أن الزمن أعمق من هذه التسميات جميعاً؛ ليس مادةً للاستهلاك فحسب، بل ميداناً للامتحان، ومرآةً للمصير، وطريقاً إلى معرفة هشاشتنا نحن. وعندئذ لا يعود السؤال: كم مضى من الوقت؟ بل يصبح السؤال الأصدق: أيّ وقت هذا الذي عشناه؟ وكيف فهمناه؟ وماذا ترك فينا قبل أن نسأل ماذا تركنا نحن فيه؟