١٨ مارس ٢٠٢٦ — متفرقات
الزير
الزير
كان حسن في الثانية عشرة من عمره حين تعلّم، في يومٍ واحد، أن الإنسان قد يفقد عمره كلَّه قبل أن يكبر سنةً واحدة.
في ربيع عام 1948 خرج من قريته في فلسطين مع أبيه وأمه وأخته مريم. لم يخرجوا خروج المسافرين الذين يربطون الأمتعة على مهل، ويطفئون المصابيح، ويغلقون الأبواب بالمفاتيح. خرجوا كما تخرج الروح من الجسد حين يفاجئها الألم. تركوا الخبز في التنور، وتركوا الماء في الزير، وتركوا الدجاج في الساحة، وتركوا البيت مفتوحًا على غيبٍ لم يكن أحد يعرف له اسمًا يومئذ، ثم عرفه الناس بعد ذلك باسم طويل وثقيل: النكبة.
قال الأب، وهو يمشي بهم بعيدًا عن القرية: "سنعود حين تهدأ الأمور."
وكانت تلك الجملة آخر ما بقي من شكل الطمأنينة في ذلك النهار. أما حسن، فصدّقها كما يصدّق الأطفال كل ما يقوله الآباء، لأنهم يظنون أن الآباء يعرفون الطريق حتى في قلب النار.
جلسوا في العراء، تحت سماء لا سقف فيها، وعلى أرض لا تعرفهم. مرّ النهار الأول ثقيلًا، ثم الثاني، ثم الثالث. في البداية كان الخوف أكبر من الجوع، ثم ما لبث الجوع أن صار هو الخوف نفسه. كانت الأم تحاول أن تُشغل مريم بالكلمات، وأن تُشغل حسن بالصمت، وأن تُشغل نفسها بالنظر إلى البعيد، كأنها إن ثبتت بعينيها جهة القرية فلن تضيع القرية من العالم. أما الأب فكان يطيل الوقوف، ثم يعود، ثم يجلس، ثم ينهض؛ رجلًا هُزم للمرة الأولى أمام أطفاله، ولم يعرف كيف يخفي هزيمته.
في اليوم الرابع صار الجوع شيئًا له صوت. لم يعد مجرد وجع في البطن، بل صار كائنًا يعضّ من الداخل، يذكّرهم بأن الجسد لا يفهم المآسي الكبرى، وأن المعدة لا تبالي بالتاريخ، وأن الإنسان، مهما علت كرامته، قد تنكسر روحه أولًا عند قطعة خبز.
في المساء، قالت مريم بصوت خافت، كأنها تخشى أن يسمعها الجوع نفسه: "حسن... لو رجعنا إلى البيت؟"
نظر إليها، ولم يُجب. لم يكن الاقتراح شجاعةً ولا تهورًا، بل كان شكلًا صغيرًا من اليأس. وحين يسكن اليأس قلب طفلين، يصبح الرجوع إلى الخطر أقل قسوةً من البقاء في الانتظار.
قالت ثانية: "ربما نجد خبزًا... أو بيضًا... أو أي شيء."
رفع حسن رأسه نحو أمه. كانت الأم ساكنة، لكن عينيها كانتا ممتلئتين بذلك التعب الذي يجعل الإنسان أكبر من عمره وأصغر من قدرته على الاحتمال في آن واحد. ثم التفت إلى أبيه، فرأى في وجهه ذلك الشرخ الصامت الذي لا يُرى إلا حين يعجز الأب عن إطعام أولاده. عندها فهم حسن، بطريقته الطفولية المريرة، أن على الأطفال أحيانًا أن يحملوا شيئًا من خراب الكبار.
مع الفجر تسلّل مع مريم. مشيا في الحقول بحذر، كأنهما لا يعودان إلى بيت، بل يتقدمان نحو سؤال. كانت الطريق التي حفرتها أقدامهما من قبل في اللعب والذهاب إلى المدرسة والركض خلف الدجاج، هي نفسها الطريق؛ لكنها لم تعد هي نفسها. كل شيء بدا مألوفًا وبعيدًا في آن. كأن الأمكنة، حين يمرّ عليها الخوف، لا تتغير في صورتها، بل في معناها.
ولما ظهرت القرية من بعيد، أحس حسن أن قلبه يصير حجرًا. البيوت قائمة، الأشجار في أماكنها، الجدران لم تسقط، السماء فوقها كما كانت. لا شيء يشبه الخراب أكثر من أن ترى الأشياء باقيةً في مواضعها، بينما تكون قد ماتت في الداخل.
اقتربا من البيت. كان الباب نصف مفتوح. الساحة أمامه صامتة، لكن صمتها لم يكن طمأنينة؛ كان صمتًا من النوع الذي يسبق البكاء أو يجيء بعده. دخل حسن أولًا، وخلفه مريم تمسك بطرف قميصه كما لو كانت تمسك بما تبقّى من العالم.
وهنا رأيا ما لن يفارقهما أبدًا.
الدجاجات كانت منتشرة في كل مكان، تائهةً ومذعورةً، كأنها نسيت أن لهذا البيت أهلًا. باضت في الزوايا، قرب العتبة، تحت المقعد الخشبي، وبين الحصى. والبيض مبعثر بلا يد تجمعه، وبلا أمّ تعرف أين تضعه، وبلا صباح يُطهى فيه شيء دافئ. وبين شتلات الفول التي كانت أمهما قد غرستها قبل الخروج بأسابيع قليلة، كان النبات قد طال وكثف أوراقه، حتى بدا كأن الأرض، في غياب البشر، واصلت عملها البارد بلا اكتراث. الفول كبر. والدجاج باض. والأيام مشت. وحدهم البشر هم الذين توقّفوا.
في تلك اللحظة شعر حسن، للمرة الأولى، بأن العالم ليس حزينًا كما نظن، بل محايدٌ على نحوٍ مفزع. تموت عائلة عند طرف الطريق، وتستمر شتلة الفول في الصعود نحو الشمس. يغيب أصحاب البيت، وتظل الدجاجة تبيض. كأن الطبيعة لا تقسو علينا، لكنها أيضًا لا تحزن معنا. وهذه، أحيانًا، أقسى من القسوة.
ثم سمعا حركةً في الداخل.
ظهرت الكلاب.
كلب أول، ثم ثانٍ، ثم ثالث. نحيلة، جائعة، خشنة الشعر، بعيون لامعة غريبة. كانت تتحرك داخل البيت بثقة المالك لا بخوف الدخيل. واحد عند التنور، وواحد في الغرفة، واثنان في الساحة. لم تدخل البيت لتأكل فقط، بل دخلته لتُعلن أن الأماكن الفارغة لا تبقى فارغة، وأن كل بيت يُهجَر يسكنه شيء آخر: كلب، أو ريح، أو ذكرى، أو عدو، أو صمت.
تراجعت مريم خطوة، وانقبضت أصابعها على قميص أخيها. أما حسن فلم يستطع أن يتحرك. كان ينظر إلى البيت الذي عرفه دافئًا مأهولًا، فإذا هو أمامه باردٌ متوحش، كأن الروح التي كانت فيه قد نُزعت منه، وترك هيكلًا من حجر وخشب وطين، تتجوّل فيه المخلوقات المنسية.
ثم وقعت عيناه على الزير.
كان في مكانه، إلى جانب الحائط، واقفًا كما لو أنه حافظ على مهمته القديمة: أن يحمل الماء ويروي العطشى. لكن الماء الذي في داخله لم يعد ماءً للحياة. على فمه الطيني انزلقت آثار مخالب صغيرة، وداخل العتمة الخضراء الباهتة كان جسد القط ساكنًا في القاع، غارقًا، منكسر الهيئة، كأن الموت فاجأه وهو يفعل أكثر الأشياء براءةً في هذا العالم: يحاول أن يشرب.
لم يكن حسن بحاجة إلى أحد يشرح له ما جرى. رأى المشهد كله في لحظة واحدة: العطش، الحافة الزلقة، السقوط، الارتطام، الخوف، المحاولة العقيمة، ثم الصمت. صمت طويل لا يسمعه إلا من تأخر كثيرًا عن النجدة.

تجمد الدم في عروقه. أحس أن شيئًا ما انكسر في داخله، شيء أعمق من الجوع، أعمق من الخوف، أعمق حتى من معنى البيت. لم يحزن على القط وحده، بل على الفكرة التي انكشفت أمامه فجأة: أن الكائنات تموت حين يغيب عنها أصحابها، وأن الغياب ليس مجرد ابتعاد عن المكان، بل هو حكم خفيّ بالموت على ما نتركه وراءنا. البيت بلا أهله لا يبقى بيتًا. الماء بلا يدٍ تناوله لا يبقى رحمة. والقطة التي لم تجد من يرفعها من الزير، ماتت لأن العالم كله كان مشغولًا بمصائبه الكبيرة عن مأساة صغيرة لا يراها أحد.
شهقت مريم. التفتت الكلاب إليهما دفعةً واحدة. انطلق نباحها في البيت الفارغ كأنه صدى خراب كامل. عندها فقط تحرك حسن. أمسك يد أخته وركض. ركض من الساحة، من الباب، من الطريق، من القرية، من المشهد، من نفسه. وكانت مريم تبكي وهي تركض، أما هو فلم يبكِ؛ لأن بعض الصدمات لا تخرج دموعًا، بل تترك في القلب حجرًا.
وحين وصلا إلى حيث كانت الأم والأب ينتظران، لم يعودا الطفلين اللذين ذهبا عند الفجر. عاد جسداهما فقط. أما شيء منهما فقد بقي هناك، في ذلك البيت، بين شتلات الفول، وبين بيض الدجاج المتروك، وعند حافة الزير.
سألهما الأب عمّا وجدا، لكن الكلمات خانتهما. بكت مريم في حضن أمها حتى ارتجف جسدها كله. أما حسن فجلس على التراب مطرقًا، وحدّق طويلًا في الأرض، كما لو أن وجهه صار أقدم من وجه أبيه. ومنذ ذلك الصباح لم يعد يسأل متى سيعودون. كان قد فهم، بفطرته المجروحة، أن بعض الأبواب إذا أُغلقت خلف الإنسان، فإنها لا تُفتح ثانيةً بالطريقة نفسها أبدًا.
مرّت السنين.
كبر حسن، أو هكذا ظن الناس. عاش في المخيمات، وفي البيوت المستأجرة، وفي المدن التي لا تحفظ أسماء القرى المقتَلعة من أصحابها. عمل، وتزوج، وصار أبًا، ثم صار جدًا. تغيّر صوته، انحنى ظهره، وابيض شعره، وتعلّم كيف يبتسم للناس وهو يحمل في داخله غرفةً مغلقة لا يدخلها أحد. كان يعرف كيف يروي الحكايات العامة: حكاية الخروج، حكاية الجوع، حكاية الطريق. لكنه لم يكن يروي أبدًا ما رآه في البيت. لأن بعض الذكريات لا تتحول إلى كلام؛ تبقى شوكةً مغروسة بين القلب واللسان.
بلغ الثمانين، وصار الناس يرونه شيخًا هادئًا. لكن الليل لم يكن يراه كذلك.
في الليل يعود طفلًا.
يرى نفسه يسير مع مريم بين الحقول. يرى البيت من بعيد. يرى الباب نصف مفتوح. يدخل. الدجاجات في كل مكان. شتلات الفول عالية على نحو مؤلم، كأن الزمن نفسه خانهم ونما في غيابهم. الكلاب تحتل البيت. ثم يرى الزير. دائمًا الزير. دائمًا ذلك الفم الطيني المفتوح على موت صغير لا يُحتمل. يرى القطة غارقةً في الماء، ويرى العجز بعينيه، ويشعر بأن العالم كلّه قد سقط يومها في ذلك الزير الضيق: البيت، القرية، الطفولة، الرحمة، والوعد القديم بأنهم سيعودون بعد أيام.
فيستيقظ مذعورًا.
يجلس على سريره وهو يلهث، كأنه خرج لتوّه من الركض. يضع يده على صدره فلا يجد فيه إلا ذلك الطفل الذي لم يكبر قط. ينظر حوله في الظلام، فلا يرى البيت الذي يسكنه الآن، بل يرى البيت الذي غادره منذ أكثر من سبعين عامًا وما زال يسكنه من الداخل. ويعرف، في تلك اللحظة، أن الإنسان لا يخرج حقًا من المكان الذي كُسر فيه أول مرة.
كان بعضهم يقول له: "يا أبا عصام، هذه مجرد كوابيس."
فيهز رأسه ببطء.
لم تكن مجرد كوابيس. كانت العدالة المتأخرة للروح. فما لا نبكيه حين يحدث، يعود إلينا ليلًا كي نبكيه مؤجلًا. وما لا نستطيع دفنه في الأرض، يدفن نفسه في الذاكرة، ثم ينهض كل ليلة طالبًا أن يُرى من جديد.
وحين أشرقت الشمس، كان حسن في الثمانين من عمره، لكن روحه كانت ما تزال واقفةً هناك، على باب البيت القديم، تسمع نباح الكلاب، وترى شتلات الفول وقد كبرت بلا أصحابها، وتحدّق في الزير، ثم خطر له، للمرة الألف، أن ذلك الطفل الذي دخل البيت جائعًا لم يخرج منه قط؛ الذي خرج كان شيخًا صغيرًا يحمل معرفة لا تليق بطفل: أن المنفى ليس أن تُنتزع من أرضك فقط، بل أن يظل جزءٌ منك محبوسًا إلى الأبد في مكانٍ لم يعد قادرًا على إنقاذه أحد.