٢٦ مارس ٢٠٢٦ — دين
يقظان
فلنتخيل وجود شخص اسمه "يقظان".
يعيش يقظان في مدينة مستقبلية متقدمة جدًا، يعرف أهلها كل شيء تقريبًا عن المادة والطاقة والجينات وتاريخ النجوم، لكنهم لا يعرفون شيئًا اسمه الله. ليس لأنهم أنكروا وجوده بعد بحث، بل لأن الفكرة نفسها غابت عن عالمهم حتى صارت كأنها لم تُولد فيه أصلًا. إنهم ليسوا ملحدين ولا مؤمنين، بل بشر يعيشون من غير أن يخطر لهم هذا السؤال.
في هذا العالم، لم يبدأ يقظان التفكير لأنه نشأ على قلق ديني، بل بدأ من شيء آخر تمامًا: من ملاحظة الفجوة بين ما يعرفه الناس وما يتوقفون عن سؤاله. لقد عاش بين قوم يملكون معرفة هائلة بتفاصيل العالم، ويتحدثون بثقة مدهشة عن تاريخ الأرض والحياة. ومع ذلك، لاحظ أن هذه المعرفة الواسعة لا تُنتج بالضرورة إجابةً عن السؤال الأكبر، بل قد تتحول أحيانًا إلى بديل عنه.
ولذلك قرر أن يبدأ من الصفر. لا من الكتب المقدسة، ولا من تراث ديني سابق، ولا من يقين ورثه عن أحد، لأن قيمة الرحلة كلها عنده كانت متوقفة على هذا الشرط: أن يصل، إن وصل، لا بوصفه مقلدًا لما سمع، بل بوصفه عقلًا دفعه النظر الصادق إلى ما لم يكن يتوقعه. أراد أن يختبر سؤالًا واحدًا بمنطق بارد وعقل خالص: إذا كان الإنسان لا يعرف إلا العلوم الحديثة والمنطق السليم، فهل يمكن أن يقوده ذلك وحده إلى الإيمان بوجود الخالق؟
ولكيلا يضيع في الأسئلة الكبرى دفعةً واحدة، قرر أن يبدأ من أكثر النقاط حساسية في القصة التي تربى عليها الناس جميعًا، القصة التي تُدرَّس للأطفال منذ الصغر حتى تستقر في أذهانهم كأنها من البديهيات التي لا تحتاج إلى مراجعة: أن الحياة على الأرض بدأت في صورة شديدة البساطة، من مادة غير حية، ثم نشأ كائن أول بدائي للغاية، ثم أخذ، عبر زمن طويل جدًا وتحت ضغط الطفرات والانتخاب والتراكم، يتطور تدريجيًا حتى انفتحت منه شجرة الحياة كلها، من الخلايا الأولى إلى النباتات والأسماك والزواحف والثدييات والإنسان. كانت هذه القصة تُقدَّم لهم دائمًا في صورة مريحة: بداية صغيرة جدًا، شبه خاملة، شبه عمياء، ثم صعود متدرج نحو التعقيد. وكان الجزء الذي يترسخ في الوعي منها أكثر من غيره هو أن البداية كانت بسيطة، بل بسيطة إلى حد يكاد يجعل ظهورها مفهومًا لمجرد أنها أقل تعقيدًا من كل ما جاء بعدها.
لكن يقظان توقف عند هذه النقطة بالذات. سأل نفسه: ما معنى أن نقول إن البداية كانت “بسيطة”؟ بسيطة قياسًا إلى ماذا؟ إلى الكائنات المعقدة التي يفترض أنها جاءت بعدها؟ سنسلّم بذلك. أما أن تكون بسيطة بالمعنى الذي يجعل نشأتها أمرًا سهل التصور، فذلك شيء آخر. فالكائن الأول، حتى لو كان أقل تعقيدًا من كل صور الحياة اللاحقة، لا بد أنه كان، مع ذلك، يحمل في نفسه الحد الأدنى الكامل الذي يجعل الحياة قابلة لأن تبدأ وتستمر وتتطور. ومن هنا أدرك أن السؤال الحاسم هو: ما الحد الأدنى الذي لا يمكن للحياة أن تبدأ بدونه أصلًا؟
هنا ضيّق يقظان مجال النظر أكثر، وسأل سؤالًا أوليًا أشد جذرية: لكي ننتقل من مجرد صخور وكيمياء جامدة إلى شيء يمكن أن يسمى حيًا بحق، ما الذي يجب أن يكون حاضرًا منذ اللحظة الأولى؟ ليس ما يمكن أن يُضاف لاحقًا على سبيل التحسين، ولا ما يمكن أن يتأخر ظهوره آلاف الأجيال، بل ما لا بد منه منذ البداية، منذ اللحظة الأولى، بحيث إن غاب انهارت القصة كلها من أصلها.
هذا الكائن المفترض حسب القصة، الذي سماه يقظان "الكائن صفر"، وهو الكائن الأول الذي انتقل من كونه جمادًا إلى كائن حي، وهو أصل الحياة على الأرض، ومنه نشأت كل الأنواع والسلالات التي نراها اليوم، لا بد أن يمتلك حدًا أدنى من الخصائص التي جعلته "حيًا" يختلف عن باقي المركبات الكيميائية التي تسبح حوله في "الحساء الأولي".
فكر يقظان في العديد من الخصائص المحتملة، لكنه أراد أن يحصر تفكيره في الخصائص التأسيسية، وهي الخصائص التي سيؤدي غياب أيٍّ منها إلى ضرب هذه القصة في جذرها وليس إلى إضعافها فحسب.
وبعد تفكير عميق، اكتشف يقظان أن هذا الكائن الأول لم يكن “بسيطًا” كما علموه في المدرسة، بل كان “مشروعًا هندسيًا” متكاملًا يمتلك أربع خصائص حتمية الوجود بالبرهان العقلي الذي لا يمكن دحضه وهي:
1- النظام المفتوح (Open Architecture):
بفرض أن القصة التي تعلمها يقظان في المدرسة بأن الحياة على الأرض بدأت بكائن واحد بسيط نشأ بطريق الصدفة ثم تطور لمليارات الأنواع الحية، فإن هذا الكائن، "الكائن صفر"، لا بد أن يكون قابلًا للتطور منذ البداية.
ليس المقصود أنه تطور فعلًا في اللحظة الأولى، بل أن بنيته الأساسية نفسها لا بد أن تكون مفتوحة على التعديل والتبدل وإضافة الجديد. فالأصل المغلق لا ينتج إلا تكرار نفسه، أما الأصل المفتوح فيمكن أن تُبنى فوقه طبقات جديدة من التعقيد حتى ينتهي، بعد أزمان طويلة، إلى صور مغايرة تمامًا لما بدأ به.
ولعل أقرب تشبيه إلى ذلك هو الفرق بين جهاز مغلق البنية مثل الجهاز اللوحي iPad، وآخر قابل للترقية مثل أجهزة الحاسب المنزلي Home PC. الأول قد يعمل سنوات طويلة، لكنه يظل في جوهره كما هو، لا يتيح إلا تبديلًا محدودًا لبعض أجزائه مثل الشاشة أو البطارية لا يغير على شكله أو قدراته شيئاً. أما الثاني، فيمكن مع الوقت أن تُستبدل مكوناته جميعًا، فيمكنك زيادة خصائص أو قدرات جديدة أو أن تغير شكله أو حجمه كما تريد حتى ينتهي إلى جهاز مختلف اختلافًا جذريًا عن صورته الأولى. وهذا الفرق لا يعود إلى الزمن، بل إلى البنية الأساسية التي تم تصميم الجهاز بها قبل البدء بتصنيع أي مكون من مكوناته.
ومن هنا يستنتج يقظان أن أول كائن حي، إذا كان فعلًا أصل الحياة اللاحقة، فلا بد أن يكون من البداية مبنيًا على نحو يسمح بالتطور، لا على نحو يغلقه على صورته الأولى.
2- المحرك الحي (Power Management):
ثم ينتقل إلى شرط ثانٍ لا يقل ضرورة وهو القدرة على استخلاص الطاقة من البيئة والاستفادة منها. فالحياة ليست اسمًا يُطلق على شيء فيسكن، بل هي فعل مستمر، وعملية لا تنقطع من التبادل والتحويل والاستهلاك. لا يمكن لأول كائن حي أن يكون قد تلقى “دفعة افتتاحية” من الطاقة ثم مضى بها إلى ما لا نهاية. لا بد أن تكون لديه منذ اللحظة الأولى طريقة ما لالتقاط الطاقة من العالم المحيط به، أو تحويل شيء من البيئة إلى قدرة على الاستمرار. وإلا فلن يكون حيًا بالمعنى الحقيقي، بل ومضة قصيرة سرعان ما تنطفئ.
3- ماكينة النسخ (Reproduction Mechanism):
ثم تأتي الخاصية الثالثة، وهي القدرة على التكاثر. لأن الحياة إن لم تستطع أن تنتج نفسها، فلن تكون بداية لسلسلة، بل حادثة منفردة. لن يكون هناك تراكم، ولا أجيال، ولا انتخاب، ولا تطور. سيكون هناك كائن واحد ظهر ثم اختفى، وانتهت معه القصة. ولذلك فإن التكاثر ليس زينة أضيفت إلى الحياة بعد اكتمالها، بل هو جزء من تعريفها الأول.
4- الموت (Off button):
لكن الخاصية الرابعة هي الأكثر إثارة للانتباه: القدرة على الموت.
قد يبدو هذا غريبًا في الوهلة الأولى. كيف يكون الموت شرطًا للحياة؟ أليس الموت هو ما يأتي في نهايتها؟ أليس من البديهي أن نقول إن الكائن يولد أولًا ثم يموت لاحقًا، وإن الحياة تسبق الموت في كل سيرة زمنية؟ نعم، هذا صحيح من جهة الترتيب الزمني المحسوس، لكنه لا يكفي لفهم طبيعة الأشياء من جهة البنية والمعنى.
يفكر يقظان في الأمر على نحو أبسط: لو كان أول كائن حي غير قابل للموت أصلًا، لكان من المفترض — من حيث المبدأ — أن يبقى موجودًا بيننا إلى اليوم ولامتلأت الأرض والسماء بتلك السلالة الأولى التي لا يدخلها الفناء. لكن العالم الحي الذي نراه اليوم قائم كله على المجيء والرحيل، على الظهور والزوال، على الولادة والموت. وهذا يوحي بأن القابلية للموت ليست خللًا لاحقًا دخل على الحياة بعد اكتمالها، بل جزء من بنيتها الأصلية.
5- التزامن (Concurrency):
وهنا يزداد السؤال تعقيداً: هل يمكن أن تكون هذه المواصفات قد ظهرت متفرقة عبر الزمن؟ هل يمكن أن يكون الكائن الأول قد بدأ بصفة واحدة، ثم انتظر آلاف السنين حتى تضاف إليه الصفات الأخرى؟ يرى يقظان أن هذا غير ممكن. لأن أول كائن حي، على ما افترضنا، لا يملك رفاهية الانتظار. إن لم يكن قادرًا على استخراج الطاقة من البيئة، فلن يستمر، حتى لو امتلك باقي الخصائص، فكيف سيتكاثر بدون القدرة على استهلاك الطاقة اللازمة لعملية النسخ والتكاثر. وإن لم يكن قادرًا على التكاثر، فلن تصبح الحياة ظاهرة ممتدة، حتى لو امتلك باقي الخصائص. وإن لم يكن قابلًا للتطور، فلن يكون أصلًا منطقيًا لهذا التنوع العظيم. وإن لم يكن قابلًا للموت، فلم لا نراه بيننا الآن؟
بمعنى آخر**: إن أول كائن حي لا بد أن يكون قد ظهر وهو يحمل الحد الأدنى الكامل للحياة دفعة واحدة، لا جزءًا من الحياة، بل بنيتها العاملة كلها من أول لحظة**. بضربة محظوظة واحدة، يكتسب مركب كيميائي عشوائي الخصائص الأربعة الأولى معاً ليصبح "الكائن صفر".
هل يبدو هذا كله ممكناً بالصدفة؟ هل تبدو هذه القصة معقولة من أساسها؟ أليس هناك تفسير أوضح لبدء الحياة؟
هذا السؤال يولد من احترام العلم، ومن أخذ نتائجه على محمل الجدية. فالعلم يشرح الآليات، ويكشف بعض الكيفيات، ويضيء المسارات، لكنه لا يلغي السؤال عن القصد، ولا يمحو السؤال عن المصدر الأول للنظام نفسه وكلما تعمق الإنسان في بنية الحياة، يجد نفسه لا يبتعد عن فكرة الخالق، بل يقترب منها، ويصبح بحاجة لهدايته كي نفهم الكون كما خلقه الله، لا كما تدركه حدود حواسنا.
ثم يتساءل يقظان: ما معنى أن يموت الكائن الحي أصلًا؟
نحن كثيرًا ما نفهم الموت بوصفه مجرد حالة من "اللاحياة"، وكأن الكائن الميت يعود فيصبح شبيهًا بالحجر أو المعدن. لكن هذا التصور سريع وسطحي. فالميت ليس جمادًا خالصًا، والجثة ليست صخرة. الجماد لم يحمل يومًا خصائص الحياة، لم تكن له خلية، ولا تنظيم ذاتي، ولا ذاكرة جينية، ولا تاريخ عضوي. أما الجسد الميت فهو بقايا نظام كان حيًا، ثم توقفت فيه الحياة. إنه ليس “لا شيء”، بل “ما تبقى من شيء”. ولذلك يبدو الموت حالة مخصوصة، مرتبطة بالحياة ارتباطًا داخليًا، لا مجرد نقيض خارجي لها.
ومن منظور بيولوجي عام، ليست العلاقة بين الحياة والموت مجرد تعاقب زمني بسيط. فبعض أشكال الموت الخلوي المبرمج تؤدي دورًا أساسيًا في التطور الجنيني، وفي تشكيل الأنسجة، وفي حفظ التوازن داخل الكائنات الحية، وهو ما يجعل الموت — في بعض مستوياته — داخلًا في التنظيم الحيوي نفسه، لا مجرد حادثة تأتي من خارجه.
هنا يصل يقظان إلى فكرة مزلزلة: لعل الموت ليس مجرد نهاية للحياة، بل أحد شروط إمكانها. لعل الحياة لا تأتي إلى عالم خالٍ من الموت، ثم يُضاف إليها الموت لاحقًا، بل تأتي وهي محاطة به، محددة به، ومفهومة في ضوئه. فالموت، في هذا التصور، ليس عدوًا طارئًا على الحياة، بل حدّها الداخلي. إنه الخلفية التي تظهر عليها صورة الحياة، والإطار الذي يعطيها وزنها ومعناها. ومن هنا فإن يقظان استنتج أن الشرط الأول لنشوء الحياة وما يفرق بين الكائنات الحية والجمادات هو القدرة على الموت.
ومن هنا يصبح الربط بالآية القرآنية أمراً لا يمكن تجاوزه بسهولة: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ﴾.
الآية لا تصف الموت كنهاية، بل تعرّفه كـ مخلوق. شيء موجود في بنية العالم، قائم بذاته، ثم تأتي الحياة بعده في الذكر. ترتيب ليس لغويًا فقط، بل يحمل تصورًا كاملًا: أن الموت ليس حادثًا لاحقًا، بل جزء من التصميم الأصلي للوجود.
وهذا بالضبط ما انتهى إليه يقظان، دون أن يقرأ الآية، ودون أن يعرفها أصلًا. فبعد رحلة عقلية باردة، بدأها من الكيمياء، وانتهى فيها إلى شروط الحياة الأولى، اكتشف أن الحياة لا يمكن أن تبدأ إلا وهي تحمل في داخلها قابلية الفناء. وأن الموت ليس نتيجة، بل شرط. ليس خاتمة، بل عنصرًا سابقًا في البنية.
وهنا، ينكسر شيء في القصة التقليدية. لأننا لم نعد أمام نص ديني يقدّم فكرة غيبية، ولا أمام عقل حديث يكتشف حقيقة علمية، بل أمام تطابق غير مريح بين الاثنين.
ليس تشابهًا لفظيًا، ليس استعارة شعرية، بل نفس النقطة: الموت كشرط سابق للحياة.
كم مرة يمكن أن تصيب المصادفة، قبل أن تتوقف عن كونها مصادفة؟ وكم مرة يمكن أن يلتقي نص قديم بحقيقة عميقة، قبل أن نضطر لإعادة النظر في مصدره؟
يمكن دائمًا الهروب إلى التفسير الأسهل وهو أن كل هذا مجرد توافق، أو قراءة متأخرة، أو إسقاط ذهني، لكن كل تفسير من هذه التفسيرات، في الحقيقة، يطلب منك شيئًا واحدًا: أن تتجاهل وضوح الفكرة فقط لأنها غير مريحة.
أما الاحتمال الآخر فهو أبسط بكثير، لكنه أثقل: أن هذا الكلام… لم يكن من عند بشر. وأن القرآن، حين قال: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾، لم يكن يصف العالم كما نراه… بل كما هو.