٥ أبريل ٢٠٢٦ — سعد

سلسلة سعد - الفصل الأول: عن المنسي

سلسلة سعد - الفصل الأول: عن المنسي

ليست الحكاية هنا حكاية قريةٍ فقط، بل حكاية شعبٍ كاملٍ تعرض لظلم كبير. ومن بين آلاف الضحايا، والأبطال، سنحكي عن قصة رجالٍ خمسةٍ دفعوا الثمن الأغلى بالمال والنفس والولد.. ولكن البداية ستكون من القرية: المنسي.

فالقرية التي ستُعرف لاحقًا بأنها خبأت الثوّار، وأطعمتهم، وحملت عبء الثورة في مرج ابن عامر، كانت قبل ذلك مكانًا له إيقاعه الواضح، وذاكرته المرتبة، وأبوابه التي يعرف الناسُ جيدًا مَن يطرقها ومَن يخرج منها عند الفجر. ثم جاء زمنٌ صار فيه بعض الأبواب مفتوحًا على الانتظار وحده.

هكذا أريد أن أبدأ سيرة المنسي؛ لا من لحظة اقتحام العسكر، ولا من ساعة الاعتقال، ولا من الصمت الثقيل الذي تلا ذلك، بل من القرية نفسها، قبل أن يدخل الغياب إليها ويعيد ترتيب كل شيء. لأن القرى، مثل البشر، لا تُفهم من لحظة مأساتها وحدها. لا بد أن تُرى أولًا وهي تمشي على قدميها، وهي تخبز، وتزرع، وتختلف، وتحب، وتصحو على الأذان، وتعدّ رجالها واحدًا واحدًا قبل أن ينقص العدد.

كانت المنسي تقع على الحافة الغربية من مرج ابن عامر، إلى الجنوب من طريق حيفا–جنين، وعلى مسافة تقارب ثلاثين كيلومترًا من حيفا، بارتفاع وسطي يبلغ نحو 125 مترًا عن سطح البحر. وكانت من القرى التي تطل على السهل وتراقبه أكثر مما تنغرس فيه؛ قرية ترى الحركة وتسمعها، وتعرف مبكرًا أن من يملك الطريق يملك شيئًا من مصير البلاد. هذا الموقع لم يكن تفصيلًا جغرافيًا باردًا، بل كان قدرًا سياسيًا قبل أن يصبح سطرًا في كتاب. فمن هذا الطريق تمرّ الجيوش، وتتحرك الدوريات، وتنتقل الأخبار، وتُقاس المسافات بين الريف الفلسطيني والمدينة الساحلية التي كانت تكبر تحت الانتداب وتتبدّل بسرعة.

ولم تكن المنسي قريةً ضخمة بالمعنى الحضري، لكنها لم تكن هامشًا صغيرًا أيضًا. في إحصاء 1945 بلغ عدد سكانها 1200 نسمة في أغلبيتهم الساحقة من المسلمين، مع أقلية مسيحية صغيرة، وعُرفت القرية أيضًا باسم عرب بنيها في بعض السجلات.

أما البيوت، فلم تكن مجرد مساكن من حجر وطين، بل كانت تعبيرًا عن اقتصاد القرية ونمطها الاجتماعي. بعض البيوت كان متباعدًا في أطراف القرية، وبعضها الآخر متلاصقًا في القسم الأقدم منها. وكانت مواد البناء تتراوح بين الحجر والملاط الطيني أو الإسمنتي، فيما استُخدم الخشب والقش والطين في بعض الأسقف. وفي هذه الصورة المعمارية البسيطة ما يكفي لفهم طبيعة القرية: ليست فقيرة بالمعنى الذي يُفقدها الكرامة، وليست غنية بالمعنى الذي يعزل أهلها عن تعب الأرض. كانت قرية فلاحية واضحة القسمات، ينهض بيتها من الحقل، ويعود الحقل في المساء إلى البيت محمولًا على الأكتاف، في أكياس القمح، ورائحة الزيت، وأثر الطين على الأقدام.

وكانت الأرض حول المنسي هي المعنى الأوضح لوجودها. ففي إحصاءات 1944/1945 بلغت مساحة أراضي القرية 12,272 دونمًا، استُخدم منها 6,559 دونمًا للحبوب، و1,391 دونمًا للبساتين والزراعة المروية، بينها 243 دونمًا مزروعة بالزيتون. هذه أرقام تبدو اليوم جافة على الورق، لكنها في حياة القرية لم تكن أرقامًا، بل مواسم. كان القمح هو فصلًا كاملًا من عمر الناس، وكان الزيتون ذاكرة تتجدد كل عام، وكانت الخضروات والبساتين جزءًا من الاكتفاء اليومي ومن صورة البيت الفلسطيني الذي يجاور فيه القمحُ الحاكورةَ وتجاور فيه الحاجةُ الكرامة. وإلى جانب الزراعة، اعتمدت المنسي كذلك على تربية المواشي، وهذا ما جعلها قرية تعرف المعنى العملي للاستقرار: أن يكون للناس خبزهم، وزيتهم، وحليبهم، وأن يعرفوا أن الأرض ليست ملكية قانونية فقط، بل نظام حياة كامل.

وفي قلب القرية تقريبًا كان يقوم المسجد، وكانت هناك مدرسة ابتدائية للبنين و"بابور" لطحن الحبوب، وهذه الثلاثة ليست مؤسسات عادية في قرية فلسطينية من ذلك الزمن؛ إنها أعمدة الحياة الجمعية. المسجد ليس للعبادة فقط، بل للإعلان والمشاورة والصلح وتبادل الأخبار. والمدرسة ليست صفوفًا خشبية وحسب، بل علامة على أن القرية لم تكن غارقة في تكرار الريف من دون وعي، بل كانت تريد أن تُدخل أبناءها إلى الكتابة والحساب واللغة، أي إلى العالم الحديث بقدر ما تستطيع. أما المطحنة، فهي صورة الاقتصاد اليومي وهو يتحول إلى طحين وخبز، وإلى دورة معيشية لا تحتاج كثيرًا إلى الخارج. بهذه العناصر الثلاثة تبدو المنسي قرية مكتملة بذاتها أكثر مما قد يوحي به حجمها على الخريطة.

لكن المنسي لم تكن فقط وحدةً زراعية في السهل، بل كانت أيضًا جزءًا من النسيج الاجتماعي لعرب التركمان في المنطقة، وهذا مهم لفهم ما سيأتي لاحقًا. فالقرية لم تكن كتلةً سكانية مفصولة عن محيطها، بل مركزًا من مراكز شبكة اجتماعية وعشائرية أوسع، ترتبط بقرى مجاورة وبعلاقات مصاهرة وتحالف ونخوة ومجالس صلح. وفي مثل هذا الوسط، لا يخرج رجل إلى الشأن العام بوصفه فردًا معزولًا، بل بوصفه ابن بيت وعشيرة ومكان. وحين يصبح بعض أبناء القرية لاحقًا قادةً في الثورة، فإنهم لا ينشؤون من فراغ، بل من بنية اجتماعية تعرف معنى الزعامة المحلية، ومعنى الكلمة المسموعة، ومعنى أن يكون للرجل مكانه في السلم الأخلاقي للقرية قبل أن يكون له سلاحه.

سعد الفصل 1: سلسلة سعد - الفصل الأول: عن المنسي

اكتملت السلسلة

هذا آخر فصول سعد · عد إلى فهرس السلسلة