٣ مارس ٢٠٢٦ — من أنا
جيل الطيبين
أنا من جيلٍ وُلد في أواخر السبعينات أو أوائل الثمانينات. وهذا وحده يكفي أحيانًا لتعريف طويل، لأننا ببساطة جيلٌ عاش نسختين من الحياة: نسخة قديمة فيها الشارع، والمدرسة، والتلفزيون ذو الظهر الكبير، وشريط الكاسيت الذي كان يحتاج أحيانًا إلى قلم حبر لينجو من الموت؛ ونسخة جديدة فيها الإنترنت، والهواتف الذكية، والسوشيال ميديا، والناس الذين يرسلون لك رسالة من ثلاث كلمات ثم يتصلون بعد ثانيتين ليسألوك: “شفت الرسالة؟”.
نحن الجيل الذي لا يعرف هل يفتخر أكثر بأنه شهد الثورة المعلوماتية، أم يفتخر أكثر بأنه آخر جيل لعب في الشارع لعبًا حقيقيًا، لا افتراضيًا. نحن جيلٌ كان يعرف أن الكرة إذا طارت إلى بيت الجيران فقد تبدأ أزمة دبلوماسية مصغرة، وأن من يكسر زجاج النافذة يختفي فجأة كأنه لم يولد أصلًا. كنا نلعب تحت الشمس، ونركض بلا تطبيق يحسب الخطوات، ونرجع إلى البيت متعبين فعلًا، لا متعبين من كثرة التحديق في الشاشة.
صباحاتنا كانت لها رائحة خاصة. كنا نستيقظ إلى المدرسة على صوت الأم، وعلى استعجال البيت كله، وعلى تلك المعركة اليومية مع اللباس والحقيبة والواجب. نذهب إلى المدرسة بوجوه نصف نائمة، لكن بقلوب أكثر خفة من اليوم. لم يكن معنا هاتف، ولم يكن أحد يصور فطورنا، ولم تكن الحياة تحتاج إلى “ستوريات” كي تثبت أنها حدثت. كانت تحدث فقط، وهذا كان يكفي.
ثم نعود بعد الظهر. نأكل بسرعة، وكأن الطعام مجرد محطة عبور، ونرمي الحقيبة في أقرب زاوية، ثم نخرج إلى الشارع كأننا أُطلق سراحنا من سجن مؤقت. وهناك تبدأ الحياة الحقيقية: كرة، ومطاردة، وصراخ، وخلافات على القوانين، وخلافات أكبر على من بدأ أولًا، ثم مصالحة في أقل من ثلاث دقائق لأن المغرب اقترب ولا وقت للكبرياء. كنّا نختلف بسرعة ونسامح بسرعة. لم نكن نحمل خلافاتنا إلى الليل، ولا نصنع منها “بلوك” و”أنفولو” وبيانات توضيحية.
ثم كان هناك ذلك الموعد الذي لا يحتاج إلى منبّه: موعد برامج الأطفال. ذلك الموعد الذي كان له هيبة في البيت. قبل أن تصبح المشاهدة فوضى لا نهاية لها، كان للانتظار طعم خاص. نجلس أمام التلفزيون، وأعيننا معلقة بالشاشة، وقلوبنا جاهزة للدخول إلى عالم آخر. من هناك مرّ علينا “عدنان ولينا”، و”الحوت الأبيض”، و”غراندايزر”، و”افتح يا سمسم”، ومرّ علينا عالم كامل من البراءة والمغامرة والمعاني البسيطة التي كانت تدخل القلب من دون استئذان.
“عدنان ولينا” لم يكن بالنسبة لنا مسلسلًا فقط، بل كان دورة تدريبية مبكرة في الوفاء والشجاعة والقلق على مصير البشرية. كنا نشاهد عدنان وكأننا نعرفه شخصيًا، ونحب لينا كأنها ابنة الجيران، ونضحك على عبسي ضحكًا حقيقيًا. عبسي هذا كان وحده مؤسسة فكاهية مستقلة. كان إذا ظهر، شعرنا أن الحياة ما زالت تحت السيطرة، وأنه مهما تعقدت الأحداث فهناك شخص في هذا العالم ما زال يفكر بمعدته أكثر مما يفكر بالمؤامرات الكبرى. عبسي كان يطمئننا بطريقته الخاصة: نعم، هناك أشرار، وهناك أخطار، لكن لا تقلقوا، ما دام عبسي موجودًا فستبقى مساحة محترمة للغباء اللذيذ الذي ينقذ الأعصاب.
أظن أن كثيرًا منا أحب عبسي لأنه كان يشبهنا أكثر من الأبطال الكاملين. نحن أيضًا كنّا نخطئ، ونخاف، ونرتبك، ونأكل أكثر مما ينبغي، وننجو أحيانًا بالحظ لا بالحكمة. وربما لهذا ضحكنا له كثيرًا. كان يذكرنا أن العالم لا يحتاج دائمًا إلى بطل خارق، بل يحتاج أحيانًا إلى شخص طيب ومرتبك يخفف التوتر، ويقول لك بطريقة غير مباشرة: “اهدأ، لن تنتهي الدنيا الآن”.
ولم تكن المتعة في القصص فقط، بل في الأصوات أيضًا. ما زالت بعض الأغنيات القديمة تعيش داخلنا كأنها لم تُغنَّ قبل عقود، بل قبل أسبوع. يكفي أن تمر جملة مثل “أطفالًا نخرج للدنيا” أو أن تسمع صوت أصالة نصري وهي تغني عن قصص الشعوب. حتى تشعر أن في داخلك نافذة قديمة فُتحت فجأة، ودخل منها هواء طفولتك كله مرة واحدة. عجيب كيف تستطيع أغنية قصيرة أن تهزم كل هذا الصخب الحديث، وتعيدك في لحظة إلى بيت قديم، وستارة قديمة، وظهيرة قديمة، وأنت تجلس على الأرض أمام التلفزيون مأخوذًا بالعالم.
وكان الأجمل أننا لم نكن نستهلك ذلك كله بوصفه منتجات متفرقة من هنا وهناك، بل كنا نشعر أن هناك روحًا عربية تمر في هذه البرامج. كثير من الأعمال كانت تُدبلج وتُنتج أو تُقدَّم عبر مؤسسات عربية، وكان في ذلك إحساس خفي بأن هذه الطفولة لها لسان قريب منا، وأن العالم الذي يدخل بيوتنا لا يدخل بلا ترجمة وجدانية. لم نكن نفهم هذه الأشياء ونحن صغار، لكننا اليوم ندرك أن وراء تلك الذكريات جهدًا ثقافيًا عربيًا حقيقيًا، حاول أن يمنح الطفل العربي شيئًا من المتعة والذوق والمعنى معًا.
ولهذا أقول إننا ربما كنا آخر جيلٍ عاش طفولة جماعية فعلًا. كنا نعرف تقريبًا ما الذي يشاهده الجميع. إذا قلت “عدنان”، فهموا. إذا قلت “غراندايزر”، لمع شيء في العيون. وإذا قلت “افتح يا سمسم”، تحرك في الذاكرة باب كامل. أما اليوم، فبإمكان خمسة أطفال في بيت واحد أن يعيش كل واحد منهم طفولة مختلفة تمامًا، لأن الخوارزمية قررت ذلك. نحن كنّا أقل تفردًا، نعم، لكننا كنّا أكثر اشتراكًا في الذاكرة، وهذا مكسب لا يُستهان به.
ثم تبدل كل شيء. أو بالأحرى، بدأ يتبدل على مهل، ثم فجأة. جاءت حرب الخليج، وجاء معها أول شعور حقيقي بأن العالم ليس بهذه البساطة التي عرفناها في طفولتنا. دخلت الجيوش الأجنبية إلى المنطقة، وامتلأت الشاشات بصور لم تكن تشبه برامج الأطفال أبدًا. بدأنا ننتقل، من غير إذن، من عالم الأغاني والمغامرات إلى عالم الأخبار، والتحليلات، والخرائط، والخوف. ربما لم نفهم كل شيء وقتها، لكننا شعرنا أن شيئًا ثقيلًا دخل إلى البيت وبقي فيه.
ثم ظهرت “القنوات الفضائية”. يا لهذا المصطلح الذي كان يومًا عنوان الحداثة نفسها. كنا نقوله بحماس، كما لو أننا دخلنا المستقبل رسميًا. وفعلًا، دخلنا. فجأة صار عندنا قنوات كثيرة، وأخبار كثيرة، وأصوات كثيرة، وضجيج كثير. لم تعد الشاشة نافذة صغيرة ننتظرها، بل صارت بابًا مفتوحًا على العالم كله. ومن يومها بدأ الانتظار يختفي، وبدأ الإيقاع يسرع، وبدأت أعصابنا تتدرب على التوتر من دون أن ننتبه.
وبعد الفضائيات جاء الإنترنت، ثم جاء ما بعد الإنترنت. نحن الجيل الذي عرف صوت الاتصال الهاتفي وهو يحتج على دخولك إلى الشبكة، وعرف أن فتح صفحة واحدة قد يحتاج من الصبر ما يكفي لقراءة كتاب صغير. ونحن أيضًا الجيل الذي شرح بعد ذلك لأطفال أصغر منا معنى “التحميل”، ثم فوجئ بعد سنوات أن هؤلاء أنفسهم لا يعرفون أصلًا ما هو شريط الكاسيت.
تخيل أن تشرح اليوم لطفل أو مراهق أن الموسيقى كانت تعيش داخل علبة بلاستيكية صغيرة، وأن هذه العلبة قد “تعلق” فجأة، وأن الحل العلمي المتفق عليه عربيًا هو إدخال قلم في الفتحة الجانبية ولف الشريط بهدوء، كما لو أنك تجري جراحة قلب مفتوح لمريض عزيز. سيظن غالبًا أنك تؤلف أو أنك تتحدث عن آثار فرعونية. بعض الأجيال التي تلينا تعرف شكل أيقونة الحفظ في الكمبيوتر، لكنها لا تعرف أن تلك الأيقونة أصلها شقيق قديم لشريط آخر اسمه “الفلوبي ديسك”. نحن جيل عاش مرحلة كانت فيها الأشياء تحتاج إلى صبر، وإلى يد، وإلى حيلة، لا إلى تحديث نظام فقط.
ثم جاءت السوشيال ميديا، وأكملت المهمة. صار العالم كله في الجيب، لكن الهدوء خرج من القلب. صرنا نعرف كل شيء بسرعة، وننسى كل شيء بسرعة أكبر. رأينا الحروب لحظة بلحظة، ورأينا الناس يتجادلون على كل شيء، ورأينا الأخبار والإشاعات والنكات والمآسي تتزاحم في الصفحة نفسها. جيلنا لم يدخل هذا العالم بوصفه وطنه الأول، بل دخله مهاجرًا من زمن أهدأ. وربما لهذا بقي فيه شيء من الحنين، وشيء من الحذر، وشيء من عدم التصديق.
ومع كل هذا التغير، بقي في داخلنا ذلك الطفل القديم. الطفل الذي كان يذهب إلى المدرسة صباحًا، ويلعب في الشارع عصرًا، وينتظر فقرة الأطفال مساءً، ثم ينام من غير أن يراجع هاتفه خمس مرات قبل النوم. بقي فينا ميل إلى البساطة، إلى العلاقات المباشرة، إلى الضحكة غير المصنوعة، إلى الجلسة التي لا تحتاج إلى تصوير، إلى الكلام الذي لا يُكتب تحتَه “تم التعديل”.
لذلك أشعر أحيانًا أن وصف “جيل الطيبين” ليس مجرد نكتة شعبية ولا مبالغة عاطفية. فيه شيء من الحقيقة. ليس لأننا ملائكة، ولا لأن من بعدنا سيئون، بل لأننا تَشكّلنا في زمن كانت فيه الحياة أقل تعقيدًا، وأقل تصنعًا، وأقل ازدحامًا بالضجيج. تعلّمنا الفرح من أشياء صغيرة، وتعلمنا الانتظار، وتعلمنا أن العالم يمكن أن يكون بسيطًا ومفهومًا، قبل أن يصبح بهذا القدر من السرعة والتشوش.
وأحيانًا، وسط هذا العالم المكتظ بالتنبيهات والآراء والصور والمقاطع القصيرة والقلق الطويل، أجد نفسي أتمتم من غير وعي: “ما أحلى أن نعيش في خير وسلام”. فأبتسم. لا لأن العبارة تعيدني فقط إلى أغنية قديمة، بل لأنها تقول شيئًا عميقًا عن جيلنا كله. نحن جيلٌ رأى البراءة، ثم رأى الحروب. رأى الشارع، ثم رأى الشاشات تبتلع كل شيء. رأى التلفزيون يجمع العائلة، ثم رأى كل فرد يحمل عالمه الخاص في يده. ومع ذلك، ما زالت في داخله بقية رغبة بسيطة جدًا: أن نعيش في خير وسلام.
ربما لهذا كلما كبرنا، لم نكبر تمامًا. يبقى في داخل الواحد منا شيء يضحك حين يتذكر عبسي، وشيء يحنّ حين يسمع أغنية قديمة، وشيء يشعر بالفخر لأنه عاش زمن شريط الكاسيت، لا لأنه كان زمنًا مثاليًا، بل لأنه كان زمنًا بشريًا أكثر. زمنًا يخطئ، ويتأخر، ويتعطل، لكنك تستطيع أن تصلحه أحيانًا بقلم. وهذا، في حد ذاته، تعريف جميل لجيلنا كله.